المثل الشعبي: (مَن فات قديمه تاه).. وهذا يتوافق مع القول: (مَن أهمل قديمه، ضاع من يده).. ولطلال مدَّاح -يرحمه الله- أغنية نالت رواجًا، وطلباتٍ منقطعة النظير في البرنامج الإذاعي؛ (ما يطلبه المستمعون) بعنوان «قديمك نديمك ولو الجديد أغناك».. تحوّل مطلع هذه الأغنية إلى مثل يتردَّد كلَّما تناول حديث المجتمع التوسُّع العمراني لجدَّة؛ عروس البحر الأحمر باتِّجاه الشمال مضيفًا أحياء جديدة، مستقيمة طرقها طولًا وعرضًا، خلافًا لحواري البلد المتعرِّجة ممرَاتها مُلقية ظلالاً تقي المشاة من حرارة الشمس.

إلى تلك الأحياء الحديثة، انتقل غالبيَّة الجدادوة، تاركين بيوت الآباء والجدود لِتؤول للسقوط، وتحوَّلت الحارات إلى سكنٍ للعمالة في مبان إسمنتيَّة حلَّت محلّ مبان مستهلكة لا تدرُّ على مالكيها ما يعادل تكلفة صيانتها، وإلى أسواقً للبيع والشراء، ومقصدًا لزوَّار عروس البحر الأحمر الراغبين في التعرف إلى تاريخها الضارب في الِقدَم، وما في مركزها من مواقع أثريَّة وتراثيَّة كسور جدَّة، وحاراتها التاريخيَّة كحارة المظلوم، وحارة الشام، وحارة اليمن، وحارة البحر، وما في هذه الحارات من مساجد تاريخيّة أبرزها: مسجد عثمان بن عفَّان، ومسجد الشافعي، ومسجد الباشا، ومسجد عكاش، ومسجد المعمار، وجامع الحنفي.

تراث لقيمته الأثريَّة، أُدرج في شهر يونيه من عام 2014 ضمن مواقع التراث العالمي.. أُشفع بإحداث (إدارة مشروع جدَّة التاريخيَّة) بتوجيه من خادم الحرمين الشريفين؛ الملك سلمان بن عبدالعزيز حفظه الله، وارتبطت بوزارة الثقافة.. وقد عنيت بترميم ستّة وخمسين مبنى من المباني الآيلة للسقوط، أعادت لها ما كانت عليه من جمال في البناء وإتقان في كسوة واجهاتها الخشبية برواشين مزخرفة ملصقة في الحوائط بمسطَّحات كبيرة تساعد على تحريك الهواء، وانتشاره فـي أرجاء البيت، وإلقاء الظلال على جدرانه لتلطيف الحرارة.. وتتيح للجالسين بمقربة منها متابعة الحركة في الحارات، ومتابعة الأطفال والشباب وهم يلعبون مع نظرائهم: البلي، وطاق طاق طاقيَّة، والغمّة والغمَّيضة، والزقطة، والبربر.. غير أنَّ الحذر لا يبطل القدر.. فقد آلت واحدة من تلك البيوتات الأثريَّة للسقوط قبل أيَّام مخلِّفةً الحسرة في صدور عشَّاق التراث والعاملين على حفظها.. ويحدو الأمل بأن يتمكَّن مالك البيت الساقط، أو المعنيُّون بالتراث من إعادة بنائه بالمواصفات التي كان عليها.. وبهذا يتناغم ماضي البلد التراثي مع جديدها في الشمال، حيث (كورنيش الشاطئ) الممتد بطول مئة وعشرة كيلو مترات، وعلى جانبه الشرقي العديد من الأحياء المشيّدة وفق أحدث المواصفات، وأفخم الفنادق العالميَّة والمراكز التجاريَّة، والملاهي والمنتزهات مزيَّنة بنافورة جدَّة.. وبهذا تبقى (جدّة غير) رابطة ماضيها بحاضرها، وبتخطيط متناغم للمستقبل الواعد باستقطاب ملايين من عشَّاق السياحة من مختلف بلدان العالم.. وحقًّا، قيل: (إِلّاَ قديمك ما يفيدك).