لم يرد في آيات المواريث ذِكرًا للتوريث بالتعصيب، ويستند علماء الفرائض في التعصيب بالذكور على رواية طاووس بن كيسان اليماني (ت: 132)، ورواية بنتي سعد بن ربيع وأمهما وعمهما.

ورواية طاووس رواها البخاري في صحيحه عن مسلم بن إبراهيم، عن وهيب، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس: قال رسول اللّه: ألحقوا الفرائض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر» [باب ميراث ابن الابن إذا لم يكن ابنٌ، باب ميراث الجد مع الأب والإخوة]، كما رواه مسلم في صحيحه، والترمذي وأبو داود في سننهما.

وهذه الرواية موضوعة:

1. فقد نفى ابن عباس وطاووس روايتها، وهذا ما رواه أبو طالب الأنباري (هو عبيد اللّه بن أبي زيد أحمد بن يعقوب بن نصر الأنباري. قال النجاشي: شيخ من أصحابنا ثقة في الحديث، عالم به، كان قديماً من الواقفة توفّي عام 356 هـ [رجال النجاشي برقم 615 طبعة بيروت] قائلًا: «حدثنا محمد بن أحمد البربري، قال: حدثنا بشر بن هارون، قال: حدثنا الحميري، قال: حدثنا سفيان (بن عيينة)، عن أبي إسحاق (عمرو بن عبد الله بن عبيد السبيعي)، عن قاربة بن مضرب، قال: جلست عند ابن عباس وهو بمكة، فقلت: يا ابن عباس حديث يرويه أهل العراق عنك، وطاووس مولاك يرويه: إنّ ما أبقت الفرائض فلأوْلَى عصبة ذكر؟، قال: أمن أهل العراق أنت؟، قلت: نعم، قال: أبلغ مَن وراءك أنّي أقول: إنّ قول اللّه عزّ وجلّ:(آباؤكُم وأبناؤكُم لا تدرونَ أيُّهم أقربُ لَكُمْ نَفعاً فريضة مِنَ اللّه) وقوله: (أُولُوا الأرحام بَعضُهم أولى بِبَعض في كتابِ اللّه) وهل هذه إلاّ فريضتان، وهل أبقتا شيئاً؟، ما قلت هذا، ولا طاووس يرويه عليّ، قال قاربة بن مضرب: فلقيت طاووساً فقال: لا واللّه ما رويت هذا على ابن عباس قط وإنّما الشيطان ألقاه على ألسنتهم.

2. يخالف القاعدة الأساسية لآيات المواريث، وهي أنّ الأنثى هي الأساس في احتساب حظوظ الميراث، وأنّ الذكر تابع لها، وحظّه من الميراث يتوقف على عدد الإناث، فكيف يقصي النساء ويحرمهن من الإرث بالتعصيب الذكوري؟

3. حرمان الإناث من الميراث من الموروثات الجاهلية التي نبذها الإسلام، وأكدّ على أنّ المرأة والرجل سواء في قوله تعالى: (للرجالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا) [النساء:7] وإن كان سياقها يبيّن علاقتها بالوصية، فهي تؤكد بذلك على مساواة الإناث للذكور في حق الإرث، كمساواتهن في حق الوصية.

وهكذا نجد طاووس نفى روايته هذه الرواية عن ابن عباس، وابن عباس نفى روايته لها، فكيف يأخذ بها الفقهاء وعلماء الفرائض، ويحرمون بموجبها إناثًا من الإرث، أو يدخلون ذكورًا شركاء لهن بالتعصيب، فمثلًا: لو خلف الميت عمومة وعمّات أو بني عم وبنات عم. فيورّثون الذكور من هؤلاء دون الإناث تعصيبًا لأولي رجل ذكر؟

ما ورد في ميراث البنتين:

ما أخرجه الترمذي وابن ماجة وأبو داود وأحمد، عن عبد اللّه بن محمد بن عقيل، عن جابر بن عبد اللّه قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع، بابنتيها من سعد إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) فقالت: يا رسول اللّه هاتان ابنتا سعد بن الربيع قتل أبوهما معك يوم أُحد شهيداً، وإنّ عمّهما أخذ مالهما فلم يدَع لهما مالاً، ولا تُنكحان إلاّ ولهما مال، قال: يقضي اللّه في ذلك، فنزلت آية الميراث، فبعث رسول اللّه (صلى الله عليه وسلم) إلى عمّهما فقال: أعطِ ابنتي سعد الثلثين وأعطِ أُمّهما الثمن وما بقي فهو لك.[سنن الترمذي، باب ما جاء في ميراث البنات رقم 2092; سنن ابن ماجة: باب فرائض الصلب رقم 272; سنن أبي داود: باب ما جاء في ميراث الصلب رقم 2891;ومسند أحمد: الحديث 14384.

هذه الرواية موضوعة للأسباب التالية:

أولاً: سكوته عليه الصلاة والسلام عن استيلاء الأخ على أموال أخيه المتوفى، بقوله لأرملته (ارجعي فلعل الله سيقضي فيه)، وحاشا لرسول الله أن يسكت عن أمر مثل هذا.

ثانيًا: يزعم أنّ النبي اعتبر قوله تعالى (فوق اثنتين) يعني (اثنتين فما فوق) وهذا الفهم من النبي حجة عند من يرى هذا الرأي، لا بل إن صح يدحض كل رأي آخر، لولا أنّنا أمام حكم يقول به الإمام ابن عباس، ذكره الفخر الرازي في تفسيره: :الثلثان فرض الثلاث من البنات فصاعدًا لقوله تعالى (فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك) وكلمة إنْ في اللغة للاشتراط، أي أن أخذ الثلثين مشروط بكونهن فوق اثنتين، ثلاثاً فصاعدًا، وذلك ينفي حصول الثلثين للبنتين”.أهـ.

وهذا حكم يعارض تمامًا حكم النبي في خبر سعد بن الربيع المزعوم. فهل يعقل أن يجيز الإمام ابن عباس لنفسه أن يعارض أو يخالف النبي في حكم أقره وقرره؟

وهل يُعقل أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم لا يفهم مقصد الآية، وابن عباس يفهمه؟

ثانيًا: ابن كثير روى هذه الرواية وفيها أنّ لسعد بن الربيع بنات وليس فيها ذكر للأُم والعم.[جامع المسانيد والسنن، حديث رقم24]

ثالثاً: أخرج أبو داود هذه الرواية في سننه، وفيها مكان بنتا سعد بن الربيع، بنتا ثابت بن قيس.[ حديث رقم 2891]

رابعًا: القول إنّ الآية (11) من سورة النساء نزلت بسبب هذه الحادثة، وهي لا تتحدث عن التعصيب، ولا ذِكر، ولا إشارة فيها إلى العم، الاختلاف في سبب نزولها وهذا يكشف عن عدم ضبط الراوي فتارة ينقل الواقعة في بنتي سعد بن الربيع وأُخرى في بنتي ثابت بن قيس وإن كان الصحيح هو الأوّل، لأنّ المقتول في أُحد، هو سعد بن الربيع، وأمّا ثابت بن قيس فقد استشهد فـي يوم اليمامة.[السنن الكبرى: باب فرض الابنتين.

آمل من لجنة وضع المدونة أن تراجع مسائل التعصيب بالذكور وحرمان ذوي الأرحام من الميراث قبل اعتماد العمل بالمدوّنة.