استوقفتني المادة (233) من مسودة مشروع مدونة الأحوال الشخصية الخاصة بالعول، والتي تنص على:» إذا تزاحمت سهام ذوي الفروض في التركة فتعول بنقص أنصبتهم بنسبة فروضهم»، فهي مبنية على فهم خاطئ لآيات المواريث (11، 12، 176 في سورة النساء)، فبالتأمل في آيات المواريث، نجد أنّ قسمة المواريث تجري ضمن نظام يقوم على قواعد ثابتة لا تختلف، وإعمالها يؤدي حتمًا إلى إعطاء أصحاب الفروض حقهم من غير زيادة ولا نقصان، وتماماً كما هو مفروض لهم في القرآن دون اللجوء إلى العول، الذي لم يأتِ ذكره لا في الكتاب ولا في السنة، ، ولا يوجد تزاحم في سهام ذوي الفروض كما جاء في المادة (233) ، وإنّما لخطأ المفسرين والفقهاء في فهم:

1. قوله تعالى: (فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ) فهموها اثنتيْن وما فوق.

2. الثلثان للأختيْن في الكلالة في (النساء:176) يكون لهما الثلثان في حالة الكلالة وعدم وجود الزوج.

3. الكلالة في آية الميراث (النساء:12)، مع تعدد الإخوة والأخوات، مع وجود الزوج، ففي هذه الحالة يكون لهم الثلث، وليس الثلثين للشقيقتيْن، والسدس لأخت من أب، أو من أم، أدّى بهم إلى إيجاد ما يُسمّى بالعول، والعَوْل «معناه عند علماء المواريث: زيادة فروض الورثة عن التركة، والعوْل لم يكن معروفًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا في عهد أبي بكر رضي الله عنه، ويُنسب إلى عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أنّه أول من حكم به حين رفعت إليه مسألة: زوج وأختين (شقيقتين أو لأب)، فقال: فرض الله للزوج النصف، وللأختين الثلثين، فإن بدأت بالزوج لم يبق للأختين حقهما، وإن بدأت بالأختين لم يبقَ للزوج حقه، فاستشار الصحابة في ذلك، فأشاروا عليه بالعَوْل، وقاسوا ذلك على الديون، إذا كانت أكثر من التركة، فإن التركة تقسم عليها بالحصص، ويدخل النقص على الجميع.

هذه الرواية موضوعة لثلاثة أسباب:

أولها: ما ورد في مسند أحمد بن حنبل حديث رقم (304) أنّه لم يقض في الكلالة، وجاء في باب وصية عمر رضي الله عنه في كتاب: مجمع الزوائد ومنبع الفوائد لعلي بن أبي بكر الهيثمي نفيه القضاء في الكلالة «عن أبي رافع أن عمر بن الخطاب كان مستنداً إلى ابن عباس وعنده ابن عمر وسعيد بن زيد فقال: اعلموا أني لم أقل في الكلالة شيئاً ...إلخ»

ثانيها أنّ الراوي غير متأكد أهما شقيقتان، أم أختان لأب.

ثالثها ليس من المعقول أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه لم يفهم قوله تعالى:(يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ..)[النساء:176]

فهذه الآية التي تُعطي الثلثيْن للأختيْن في حال عدم وجود زوج، ولا تخص الحالة المذكورة، فيأخذ الزوج النصف، وهو حظه من التركة، وتأخذ الأختان الباقي، وهو النصف مناصفة.

فللكلالة حالتان: مع وجود الزوج، وعدم وجوده، والكلالة هو من لا والد له ولا ولد، وهذه الحظوظ التي يستحقها الإخوة فقط إن وجدوا في وجود الأزواج، وليس في حالة عدم وجود الأزواج:

- للذكر والأنثى حظوظ متساوية (الأخ والأخت) في الحد الثالث من حدود الله، فإن كان أخاً واحداً أو أختاً واحدة فالحظ لكل منهما هو السدس، وإن كانوا مجموعة إخوة فهم شركاء في الثلث. أي أنّ الثلث هو الحد الأعلى لإرث الإخوة في هذه الحالة، والباقي (الثلثان) للزوج.

- إذا توفي رجل لا أصول له ولا فروع، له زوجة وأخ، يأخذ الأخ السدس بحسب الآية، ويذهب الباقي كله إلى الزوجة. ولا محل هنا لتطبيق قانون (للذكر مثل حظ الأنثيين)؛ لأنّه مخصوص بحالات معينة، وهي (وإن كانوا إخوةً رجالًا ونساءً فللذكر مثلُ حظِّ الأُنثييْن [النساء:176]، وفي حالات وجود بنات ضعف إخوانهن الأولاد، وليس قانونًا واجب المراعاة في كل الحالات الإرثية، كما وَهم ابن سيرين، وتابعه الفقهاء على هذا حتى وقتنا الحاضر.

وللأسف هذا الخطأ في الفهم أدى إلى إيجاد العول الذي يدرس في جميع أنحاء العالم الإسلامي في علم الفرائض، واعتمد بأخطائه في مدونات الأحوال الشخصية.

للحديث صلة؟