نمت طويلاً أو انشغلت كثيرًا عن الجزائر واستيقظت فوجدت نفس المقولات، ونفس الأماني والطموحات، ونفس المخاوف من الثبات والاحباطات! وكان لي في الجزائر وما زال صديقان عزيزان أقيس من خلالهما إيقاع الحياة السياسية والاقتصادية هناك.

أولهما هو الوزير السابق والبرلماني الدولي عبدالمجيد المناصرة، والآخر هو السياسي الوطني سليمان شنين الذي كان أول رئيس معارض يقود البرلمان!.

انشغلت لفترة، واستيقظت على خبر تعيين مناصرة وزيرًا للصناعة وإعادة الهيكلة في حكومة أويحيى، ثم انشغلت فترة أخرى واستيقظت على خبر انتخاب سليمان شنين رئيسًا للبرلمان بالأغلبية ليحل محل معاذ بو شارب.

بالأمس القريب فقط، وقعت عيني على تقرير طويل يحتل صفحة كاملة في «الشرق الأوسط»، وشعرت للوهلة الأولى أنني واحد من أهل الكهف في أسطورة الكهف، التي وردت في الكتاب السابع من (جمهورية أفلاطون)، حيث التصور الخيالي لطبيعة الإنسان وحظوظه من معرفة الحقيقة.

لقد حوت الصفحة نفس الأسماء التي كم استضفتها، ونفس المقولات التي كم طرحتها، بل ونفس المشكلات والحلول.

صحيح أن من التقيتهم في التسعينيات شبابًا في الجزائر باتوا شيوخًا، لكنها نفس المشكلات، ونفس الرؤى للحلول في بلد ينطق فيه كل شيء بالحيوية والطاقة والشباب.. من الشوارع إلى الجامعات، ومن المصانع والمزارع إلى المؤسسات.

هكذا تدخل الجزائر بعد أيام قليلة وتحديدًا في 12 يونيو الجاري محطة جديدة أملاً في جزائر جديدة، عبر انتخابات برلمانية مبكّرة، وكالعادة تأتي الانتخابات، كما ورد في التقرير، وسط رفض شعبي لافت؛ إذ توجد قناعة راسخة لدى الملايين، بأن النظام يسعى من خلال الانتخابات إلى فرض غالبية موالية للرئيس عبدالمجيد تبون، لتسهيل تنفيذ خريطة الطريق التي وضعها رئيس أركان الجيش سابقًا الماريشال أحمد قايد صالح، المتوفى بسكتة قلبية نهاية 2019.

تقاطع أحزاب بارزة في المعارضة، هي: «جبهة القوى الاشتراكية» (أقدم حزب معارض أسسه رجل الثورة الراحل حسين آيت أحمد)، و«حزب العمال» بزعامة مرشحة الرئاسة سابقًا لويزة حنون، و«التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» برئاسة محسن بلعباس.

وتشارك الأحزاب الإسلامية بقوة في المنافسة، أهمها «حركة مجتمع السلم» بقيادة عبدالرزاق مقري، و«جبهة العدالة والتنمية» برئاسة الشيخ عبدالله جاب الله.

وعلى الصعيد الاقتصادي ما زال الوضع سيئًا للغاية؛ فالجزائريون يواجهون تحديات خطيرة، أولاً بسبب النمو السكاني السريع، وثانيًا بسبب الفقر المتزايد، وثالثًا بسبب انتشار البطالة بين الشباب.

وليبقي السؤال الذي طرحته قبل أكثر من عشرين عامًا: هل تتحمل الجزائر المزيد والمزيد من إهدار الوقت وإهدار الفرص؟ الإجابة عن السؤال قد تبدو محبطة، لكن الحقيقة تقول عكس ذلك.

إن بلدًا بقيمة الجزائر وإمكاناتها البشرية والطبيعية فضلاً عن الحيوية المستمدة من نسبة عدد السكان الذين لا يتجاوز عمرهم 25 سنة والذين بلغ 18.76 مليون نسمة أي 45 بالمئة من إجمالي السكان، فيما يقدر عدد السكان الأقل من 30 سنة بنحو 22.48 مليون نسمة أي 54 بالمئة، مثل هذا البلد لا مجال للخوف عليه، يكبر الساسة والاقتصاديون، بل ويشيخون، وتظل الجزائر قوية وفتية وواعدة.