وصف عددٌ من الأكاديميين والمترجمين مبادرة "ترجم" التي أطلقتها هيئة الأدب والنشر والترجمة مؤخراً؛ بالرافعة الثقافية لقطاع الترجمة، منوهين إلى أن هذه المبادرة تعد ضرورة حضارية تقتضيها مواكبة التحولات المعرفية؛ والتي تهدف من خلالها إلى ردم الهوة البحثية في مجالات الترجمة الثقافية والاجتماعية والإنسانية بين النتاج العربي والعالمي، مؤكدين على أهمية وجودها كإحدى تفرعات النمو الثقافي المعرفي.

أثر معرفي

أكّد أستاذ الأدب والنقد المساعد في جامعة الملك سعود الدكتور إبراهيم بن عبدالرحمن الفريح، أن "ترجم" تعد أهم مبادرة ثقافية عربية في مجال الترجمة في العقود الأخيرة، بالنظر إلى مجالها وأهدافها وطموحاتها، وقال: "لعل لهذه المبادرة الطموحة آثاراً عديدة، من أهمها ردم الهوة البحثية والعلمية بين النتاج العلمي العربي ونظيره العالمي، وتعزيز التقارب الثقافي والاتصال المعرفي، والإسهام في التنوع الثقافي، ودعم الباحثين والمهتمين -وخصوصاً طلبة الدراسات العليا-".

متوقعاً أن تسهم جهود الترجمة في التحاور مع هذا النتاج العالمي، وتضيف إليه بما يحقق الانفتاح والتفاعل الثقافي، ويعزّز المثاقفة والوعي بالذات والآخر.

وراهن الدكتور الفريح على هذه المبادرة التي سيكون لها أثر ثقافي ومعرفي عميق إذا مُنحت الأولوية لترجمة الأبحاث والدراسات العلمية المؤثرة في مجالاتها، بغض النظر عن تاريخ إصدارها، بل يكون الاعتبار لمدى تأثيرها وأهميتها وأثرها العلمي، بالإضافة إلى الترجمة الآنية المنهجية المنتظمة للأبحاث العلمية المنشورة في الدوريات الأكاديمية المرموقة والمؤثرة؛ بما يضمن متابعة جديد النتاج العلمي، ويحفّز التراكم المعرفي.

واختتم حديثه: "من المهم الإشارة إلى ضرورة الانفتاح على ثقافات ولغات وتوجهات مختلفة، وألا تنحصر جهود الترجمة هذه في الثقافة الغربية، أو اللغة الإنجليزية، أو تنحصر في توجهات معينة".

معيار فكري

ومن جانبه أشاد الباحث والمترجم علي المجنوني بهذه المبادرة المتفردة، قائلاً: "مما لا شكّ فيه أن العائد الثقافي المتوقع من مبادرة "ترجم" سيكون عظيماً، ومما يميز الدوريات الأكاديمية عن غيرها من أوعية الإنتاج المعرفي هو التصاقها بالواقع الفكري، وسرعتها في التعاطي مع أوجه الواقع الثقافي، والاجتماعي، والاقتصادي، والسياسي، وتمثّل أول مضمار تُختبر فيه الأفكار، وتشتبك مع المدونة الفكرية التي سبقتها".

وأضاف المجنوني: "أعتقد أن هذه المبادرة ستدفع بنشاط الترجمة الأكاديمية إلى الأمام، وهو نشاط موجودٌ بدأ الأفراد وبعض المؤسسات الأهلية بممارسته سابقاً، ولكن بطبيعة الحال لم ترقَ الترجمة في بعض المجالات الفكرية إلى المستوى المأمول، إلا أن هذه المبادرة سترفع عن كاهل الباحثين والمفكرين مسؤولية الترجمة".

وأردف: "أعتقد أن الصعوبة التي ستواجه الهيئة تكمن في انتقاء المواد الثقافية من بين الكمّ الهائل من الدوريات والمجلات البحثية، ولعل أبرز المعايير التي ينبغي الاستئناس بها في عملية الانتقاء هذه، إضافة إلى الجودة البحثية والكفاءة العلمية، أن تكون المواد المترجمة ذات تأثير في موطنها الفكري، إضافة إلى أن تكون منفتحة على بعضها، ومستعدة للتحاور معها، والتعاطي مع مكتسباتها".

حراك ثقافي

فيما أكدت أستاذة الأدب المقارن والدراسات الثقافية بجامعة الملك سعود الدكتورة سماهر الضامن، أن هذه المبادرة دليل على الحراك الواعي للتواصل مع العالم، وقالت: "ما يميزها أنها تمد جسور التواصل مع الدراسات المعاصرة الجادة في الحقول المعرفية المتعلقة بالثقافة والدراسات الإنسانية، وهو حيز تأخر العالم العربي عن مواكبته بشكل عام". وأردفت: "ينبغي إدراك أنّ ما تركّز عليه الدوريات الأكاديمية الرصينة في الغالب هو السعي للفهم والتحليل، وليس التسويق أو الترويج للأفكار أو المعتقدات".

وأكملت: "إن الكثير من النظريات المعتبرة أكاديمياً في المجالات الإنسانية نشأت ونضجت في الجامعات والمراكز الثقافية الغربية في فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، والمراكز العالمية الثقافية الأخرى، وهي تتجدد اليوم بشكل سريع ومواكب لجميع الحقول المعرفية الأخرى كالطب والهندسة والاقتصاد، ولذا فإننا نأمل من هذه المبادرة الكثير لتجاوز الجمود الذي عصف بالساحة الثقافية في الآونة الأخيرة".

واختتمت: "لا يقف معيار اختيار الدوريات الأكاديمية عند شيوع هذه الدراسات ومدى تأثيرها، بل الأهم هو الأصالة والتعالق بالقضايا المعاصرة والتحولات الاجتماعية والثقافية العالمية، والمؤثرة على محيطنا العربي والمحلي أيضاً، وكلما ساعدتنا هذه الدراسات في فهم عالمنا، وعلاقاتنا، ومجتمعنا، كانت جديرة باهتمامنا".