Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

فيـــروس

A A
كلمة فيروس مشتقة من معنى»السم» باللاتينية، وأحد أجمل الشروحات لمعناها أنها كومة شفرة وراثية محاطة «بخراب ديار».. وهي المسببة لجائحة كورونا التي تغزو العالم الآن وتغيره بأغرب الطرق.. ولكن هناك ما هو أشد فتكاً، واليكم بعض الأمثلة التاريخية: كانت الحضارة الرومانية في قمة قوتها وجبروتها حول عام 166م حيث امتدت من إسكتلندا شمالاً إلى سوريا الشقيقة جنوبا.. وبدأت بالانهيار المذهل، وكثرت التعليلات لتلك الطيحة، ومنها تسمم أفكار قيادات الإمبراطورية بالرصاص الذي كان يستخدم في سباكة مياه مقر الحكم في روما.. ومنها التسيب الأخلاقي الروماني العام.. والصراعات السياسية الجشعة.. ولكن السبب الرئيس كان الهجوم الكاسح من فيروس «فاريولا» الخبيث المسبب لوباء الجدري.. وبصراحة اسم «فاريولا» لا يعكس شراسته.. يعني يمكن أن يكون اسم مشروب فواكه، أو هرة صغيرة، أو مقهى.. ولكنه ساهم في قتل خمسة الى عشرة ملايين ضحية خلال سنة واحدة وفي انهيار القوات الرومانية العظيمة والإمبراطورية بأكملها بعد ذلك.

ومن حكايات التأثير الفيروسي على التاريخ والجغرافيا نجد بعض وقائع استعمار أمريكا الوسطى والجنوبية.. وقبل البدء فضلاً تخيل مطعم الطازج للدجاج وهو مطعمي المفضل.. متوسط استيعابه هو حوالي مائتي إنسان.. وهذا هو حجم القوات التي قادها الإسباني «بيزارو» لغزو أمريكا الجنوبية عام 1532 ضد قوات دفاعية بلغ عددها حوالي ثمانين ألف محارب، وانتصروا على السكان الأصليين واحتلوا مساحة تعادل تقريبا ضعف مساحة إسبانيا في فترة زمنية أقصر من الفصل الدراسي.. وتخلصوا من حوالي تسعين بالمائة من السكان الأصليين عبر سنوات الاحتلال. ولم يكن السبب الرئيس هو الأسلحة المتفوقة، ولا قدرات القتال، ولا التنظيم، وإنما كانت الفيروسات المسببة لأمراض الحصبة، والجدري، وغيرها والتي جاءت في داخل أجسام المصابين بتلك الأمراض. ولم يسبب للغزاة نفس درجة الضرر لأن آباءهم وأجدادهم تعرضوا لآباء وأجداد تلك الفيروسات وكوّنوا درجة مناعة بإرادة الله.

ومن الغرائب أن الولايات المتحدة منفصلة عن كندا، فلماذا لم يتم ضمهما؟ وهنا نجد قصص الفيروس أيضاً في أقوى أدوارها، ففي عام 1812 كانت النية موجودة، وكانت العزيمة حاضرة لاحتلال الأراضي الكندية من القوات الأمريكية التي تغلغلت إلى حدود مدينة «كويبك» في كندا، ولكنها توقفت وعادت بسبب تفشي الفيروس المسبب لوباء الحصبة.

وأثناء التوسع الغربي للاستعمار الفرنسي عام 1803 احتلت قوات نابليون جزيرة هايتي شرق الولايات المتحدة الأمريكية.. وتعرضت تلك القوات لغزو من فيروس الحمى الصفراء.. وكان مميتاً ومدمراً للفرنسيين لدرجة أنهم قرروا بيع العديد من ممتلكاتهم الأمريكية ومنها منطقة كبيرة جداً تشمل 13 ولاية في وسط أمريكا الشمالية ومنها «لويزيانا»، و»كولورادو»، و»كانساس»، و»موناتانا»، و»مينيسوتا»، و «أيوا»،...وغيرها. وساهمت تلك المبيعات بالتوسع الهائل للولايات المتحدة شمالاً وغرباً بدون إراقة أية دماء.

وقبل حوالي مائة عام، وتحديداً في سنة 1918 غزت فيروسات الانفلونزا العالم فقتلت خمسين مليون نسمة تقريباً، وساهمت في الإسراع بإنهاء الحرب العالمية الأولى..

وننهى الحديث بذكر الحروب الصليبية على القدس الشريف التي زادت عن الثماني حملات في الفترة 1099 إلى 1270 وقد لعبت الفيروسات أحد الأدوار المهمة في تغير تاريخها، فبسبب تغلغل الأوبئة المختلفة إلى أوربا، تم تأجيل بعض الحملات أو تخفيف حدتها.

أمنيـــة

نواجه اليوم إحدى أشد الحروب من الفيروسات.. فقد أصاب فيروس كورونا 173 مليون إنسان وساهم في قتل حوالي ثلاثة ملايين وسبعمائة ألف، وتسبب في إفلاس آلاف الشركات في العديد من المجالات، وغير حياتنا جميعاً.. وبالرغم من كل ذلك، فهناك فيروسات أخرى لها التأثير الأكبر في تغيير التاريخ والجغرافيا في العالم كما جاء أعلاه. أتمنى أن تنتهي أزمة الجائحة التي نعيشها، وأن ندرك أنها ليست الأسوأ، والله لطيف بعباده، وهو من وراء القصد.

Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X