ربما كثيرات وكثيرون، قرأوا فرجينيا وولف، وقرأوا مي زيادة، مثلي واكتفوا بالإعجاب والدهشة، لكن الدهشة الحقيقية، أصابتني وربما تصيبكم، عند قراءة حكايتهما وحكايات النساء، برؤية الناقدة الكويتية الدكتورة سعاد عبدالله العنزي: «نساء في غرفة فرجينيا وولف.. الخطاب النقدي حضور يقاوم الغياب»، عن دار نيناوى، دراسة نقدية تحليلية، وهو كتاب من الحجم المتوسط «272» صفحة.

رغم أن «نساء في غرفة فرجينيا وولف»، كتاب نقدي، لكنك لا تتمكن من تركه إلا مع آخر صفحة، وتهمس لنفسك قائلاً: «لا أريد لهذه الحكاية أن تنتهي»، وهي آخر عبارة للدكتورة سعاد في الكتاب، وكأنها هي أيضاً رغم الجهد البحثي والفكري، إلا أنها استمتعت بمرافقة فرجينيا وولف ومي زيادة، وهي تقرأ حياتهما قراءة نقدية تحليلية أنتجت هذا الكتاب البديع.

كتاب العنزي النقدي، الذي أعادنا إلى مرحلة النضال الأزلي، تنخرط فيه بعض النساء اللاتي ينشأن في بيئة ثقافية تؤسس وعيهن على رؤية ذواتهن بوضوح، لذلك تنشطن في مقاومة الثقافات الإقصائية والتهميشية والتعنيفية التي سادت ولا زالت ضد النساء، لتمهيد الطريق وفتحه للأخريات،

لذلك أطلقت العنزي لفظة «الأم الأدبية» على كل من وولف وزيادة، رغم أنهما لم تكونا أمهات عضويات، لكنهما تحولتا من خلال إنتاجهما الفكري والأدبي ورؤاهما الفلسفية والنقدية ومناهضتهما للسطوة الذكورية إلى الأمومة الفكرية والأدبية والنسوية ليس في عصرهما وانما في كل العصور»، وولف ظهرت كأم أدبية لجيل من الكاتبات ظهرن بعدها... مي زيادة بأسئلتها النسوية المتعلقة بكتابة المرأة الإبداعية الجديدة تظهر كأم أدبية للواتي ظهرن بعدها وتمثلن روحها النقدية» ص213

أتصور أنه لا توجد كاتبة أو أديبة لم تقرأ وولف أو زيادة، لأن: «حكايات النساء تلتقي عند بئر واحدة» كما تقول العنزي، كذلك: «لا يزال أمام المرأة طريق طويلة من أجل تحقيق كثير من المطالب التي يمكن أن يكون الأدب عالماً رحباً لمناقشتها»، ص11.

ركزت الدراسة على التشابه الكبير بين فرجينيا وولف ومي زيادة من حيث الفكر والأثر في مجتمعهما، والانتماء إلى عصر واحد متقارب في الظروف السياسية والاقتصادية والثقافية التي شكلت كلاً منهما.

ولدت فرجينيا وولف 25 يناير 1882م، وتوفيت 28 مارس 1941م. مي زيادة ولدت 11 فبراير 1886م، توفيت 17 أكتوبر 1941م، تقول العنزي: «الفترة الزمنية نفسها واحدة في الغرب والأخرى في الشرق. كل الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية والحروب العالمية والتغيرات السياسية والاجتماعية المهمة في بريطانيا أم في مصر. الأسرة الميسورة أو الغنية التي عاشت فيها كل منهما، تقاطعت ظروف حياتهما وصولاً إلى الذروة التراجيدية؛ الموت انتحار لدى وولف، وشبه انتحار لدى زيادة.. بحثت كل منهما في تناقضات الثقافة الذكورية ونقدتاها نقداً عقلانياً أوضح التحيزات الذكورية ضد المرأة. ص15.

كانت وولف تلقب نفسها: «ابنة الرجال المثقفين، وتلتقي زيادة مع وولف في هذا الدور الأبوي الذي أسهم في صنع كل منهما؛ فمكتبة والد وولف كانت رافداً مهماً في تكوينها المعرفي الذاتي، وأصدقاء والدها من المفكرين والفلاسفة.. مثل برتراند راسل، وجماعتها الأدبية بلومزبري كما تقول العنزي في ص110، كذلك مي زيادة ابنة رجل مثقف أديب وسياسي لامع، يكمن الاختلاف بين وولف ومي أن الأولى أكملت تعليمها في المنزل بينما تهيأت الظروف للثانية أن تكون من أوائل الطالبات اللواتي التحقن بأول جامعة مصرية جامعة فؤاد الأول.

وهذا أمر يستدعي الدهشة والفخر، لأن امرأة عربية تمكنت مما لم تتمكن منه امرأة غربية رغم الانفتاح والحرية اللتين يتمتع بهما المجتمع الغربي، والانغلاق والتخلف اللذين وصم بهما عالمنا العربي!

الكثير والكثير من الحكايا في كتاب «نساء في غرفة فرجينيا وولف»، لا يمكن لهذه المقالة عرض ولو جزءاً يسيراً منها إنما هي إضاءة صغيرة لجهد عظيم وكتاب مختلف يثبت أن الإبداع ليس له حدود.

أبارك للناقدة الدكتورة سعاد العنزي هذا الإصدار المتميز في انتظار إصدارها القادم بشوق ولهفة.