كان فوزُ تشيلسي ببطولة أوربا حدثي الأبرز خلال الأسبوعين الماضيين، لم ينافسه حدث آخر غير وصولِ المجموعة القصصية الجديدة لصديقي النبيل صالح بوقري؛ أعني مجموعة «سعد الله صباحك».. وهي المجموعة القصصية الثالثة له، بعد أن أصدر سابقاً: (وهل يُصرف هذا الشيك؟)، و(حفلة شواء)، بالإضافة إلى كتاب يضم قراءات في الفن التشكيلي تحت عنوان (أشواق ملونة).

ولعل المطلع المحايد على هذه الأعمال يلاحظ عدداً من السمات، منها مثلاً؛ المزج بين المقالات الصحفية والقصصية، والقصص، والحكايات الشفهية، وأحياناً الخواطر التأملية.. ولعل أبرز سمات الكتابة البوقرية تتلخص في ذلك النفَس الفطري الذي يعتمد على سرد الحكايات كما حدثت، دون اشتغال زائد على لغة السرد، أو مطاردة لأدبية النص.. وقد عبر يحيى باجنيد عن ذلك جيداً حين قال: «هذا هو صالح بوقري، يصل إليك من أقصر الطرق.. يقول لك بلا «تمطيط» ولا زخارف، ولا «هُلّيلة»: هذا ما حدث معي، أو هذا ما رأيت».

الجميل أن صالح بوقري رأى في حياته الكثير، وشهد في مسيرته المهنية والثقافية ما يجعل ذاكرته أشبه بصندوق الدنيا المليء بالعجائب والأسرار.. عمل بوقري في الخطوط السعودية داخل المملكة وخارجها لأكثر من عقدين، وتجوّل بين مؤسسات الإعلام والعلاقات العامة، كما ترأّس بيت الفنانين التشكيليين بجدة لمدة ثلاث سنوات.. وخلال هذه الرحلة كان جزء مهم من مشاريع، وتحولات، وقصص، وصداقات كونت رصيده الحكائي الذي ينهل منه هذه الأيام، وهو يصدر المجموعة خلف الأخرى.

تتنوّع الحكايات في أعماله؛ بين قصص الطفولة وأصدقائها، وسنين الدراسة وطرائفها، ويوميات الغربة وذكرياتها، وبين هذا وذاك تتقافز قصص الأبناء والأحفاد.. يسجّل بوقري كثيراً من القصص التي تمر به، فلا تتعجب إن وجدت يوماً نفسك شخصية في واحدة من حكاياته، كما أنه يدوّن ذلك النوع من الحكايات التي لا يهتم بتوثيقها أصحابُها، أو أنها لا تشغل خيال القُصّاص غالباً، رغم ظرافتها، ودلالتها.

في قصة (تبادل الأدوار) -على سبيل المثال- يحكي بوقري قصة عجيبة عن مراسم عزائين لصديقيْن توفيا في المملكة، أحدهما كوري والآخر باكستاني.. أُرسلت الجثتان من مطار المدينة، وكانت المفاجأة حين وجدت عائلة العامل الباكستاني رجلاً كورياً في تابوت فقيدهم.. المشكلة أن الكوريين استلموا جثة الباكستاني، وأحرقوها، وأنهوا مراسم العزاء، دون أن يعلموا أن الجثة ليست لصاحبهم الكوري!! مجموعات بوقري مليئة بمثل هذه العجائب..!!

وأصدقاء صالح بوقري كثيرون، لكن قلبه الكبير يسع الجميع.. أولئك الذين حظوا بهذه النعمة، أعني صداقة البوقري -وأنا واحد من متأخريهم- يدركون جيداً حجم هذا الكنز الذي تختزنه ذاكرة بوقري من الحكايات الطريفة والعبر.. تمتد هذه الحكايات من حي البلد في جدة -حيث وُلد وترعرع- إلى بلاد الله شرقاً وغرباً..

ولعل بقية الأصدقاء يشاركونني الرأي في أن «أبا هتان» حكّاء بالفطرة؛ دون مقدمات أو عتبات، يدلف -بصوت جهوري أخاذ- إلى القصة مباشرة، يحكي تفاصيلها المدهشة، وينهيها عادة بضحكة مجلجلة.. ونشاركه بغبطة.. كثيراً ما أطلب منه أن يكتب حكاياته بنفس أسلوبه في سردها على مسامعنا.. طازجة، مباشرة، ورطبة.. مثل عينٍ مبللة بدموع الضحك.

سعيد السريحي هو الوحيد الذي يمثّل تحدياً لذاكرة صالح بوقري.. هما صديقان منذ أكثر من نصف قرن، التقيا في ثانوية الشاطئ بالرويس، أظن أن أرسطو كان معلّماً في المدرسة حينها.. رحل أرسطو، ولا يزالان صديقين.. واحد من أجمل المشاهد حين يختلف بوقري مع السريحي حول تفصيل صغير في قصة حدثت قبل خمسين عاماً.. يصرّ كل منهما على رأيه.. يستفز كلٌ ذاكرة الآخر، ولا يتفقان.. فيتّهم كل منهما الآخر بالكِبر.. والنسيان.. أنا وعبدالله الخطيب نتابع هذا الشريط من السجال المستمر.. بتشفٍ.. واستمتاع.