في ظهيرة يوم الأربعاء الماضي، كُنْتُ أسوق سيّارتي على الطريق من جدّة إلى الطائف، مروراً بمكّة المكرّمة عبر خطّها الدائري الجديد، وفي حيّ بطحاء قريش رصدْتُ درجة الحرارة ٤٩ درجة مئوية، وكادت تلامس -يا إلهي- سقف الخمسين!.

وقد علِمْتُ بعدها أنّ مكّة المكرّمة سجّلت ذلك اليوم أعلى درجة حرارة حول العالم، رغم أنّ مُنحنى حرارة فصل الصيف لم يصل ذروته بعْد، إذ يصلها عادةً في نهاية شهر يوليو أو خلال شهر أغسطس، بينما نحن في شهر يونيو!.

ويتساءل المرء عن الحكمة من حرارة الجوّ المرتفعة في مكّة المكرّمة، وقلّة هطول الأمطار فيها، حتّى وصفها الله عزّ وجلّ في كتابه الكريم بأنّها وادي غير ذي زرْع، على الرغم من كونها حرمه الآمِن، وفيها بيته العتيق الذي تهوي إليه ملايين الأفئدة من النّاس، وبمقدوره أن يحوّلها لجنّاتٍ خضراء، ويجعل جوّها بارداً مثل أجواء بعض دول أوروبّا، بأن يقول: كُنْ فيكون، بل أنّ أمره إذا أراد شيئاً يكون بين الكاف والنون، بل قبل الكاف والنون.

وجواب التساؤل -والله أعلم- هو: حتى يقصدها النّاس لعبادته الخالصة، فتكون سعادتهم بما يشعرون فيها من روحانية، وقد قطع الله بذلك رجاء أهل حرمه وسدنة بيته عمّن سواه حتى لا يتوكّلوا إلّا عليه.

ولا يسكن مكّة المكرّمة أحدٌ من أصحاب القلوب الجبّارة أو الأكاسرة لأنّهم يسعون لطيّبات الدنيا التي منها الأجواء الباردة، فإذا لم يجدوها فيها تركوها، وبذلك تتنزّه هي عن أدران الدنيا ولوثاتها، وتُقصد فقط لمحْض عبادة الله وزيارة بيته الحرام، وقد أظهر الله بذلك شرف هذا المقصود بوضع أشرف البيوت في أقل المواضع نصيباً من الأجواء الباردة.

لكنّ الله ومن رحمته خلق لأهل مكّة المكرّمة أماكن باردة بجوارهم هي مرتفعات مدينة الطائف التي يصطافون فيها، تخفيفاً لهم عن حرارة مدينتهم المرتفعة، وبحرين مجاوريْن لهم هما بحر الشعيبة وبحر جدّة يشتاتون فيهما، وكلّ ما يُراد منهم هو أن يعبدوا ربّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف.