ذكرت في مقال سابق أن إحدى

القارئات سألتني عن علاقتي بالقراءة.. فقررت أن تكون الإجابة كبسولات مختصرة على شكل يوميات.. تأتي على حلقات.. بمعنى آخر سأجيب عن القراءة وأحوالها كلما تيسرت الإجابة.. وأجوبة القراءة -كما تعلمون- مثل أسئلتها لا تنتهي.. لذلك هاكم "الحلقة الحادية عشرة" من اليوميات:

الأحد: ليس العقّاد وحده من حاول توثيق استمتاعه بالقراءة في كتابه "ساعات بين الكتب"، بل هناك مئات المقولات التي تصف أدقّ اللحظات الحميمية "القرائية"، وأعداء القراءة طبعاً لن يفهموا علاقة القارئ بالكتاب، لذا لن يفهموا أن الزمن في عالم القراءة لا يُحسَب بالأعوام والأشهر والأيام، بل بالساعات والدقائق والثواني، في محاولة يائسة من القارئ إلى وضع كلّ لحظة في كبسولة وتخزينها إلى الأبد، وإذا أردنا انتقاء عيِّنة عشوائية نجد الفيلسوف جيمس شيرلي يعبّر ببساطة عما يشعر به أي قارئ حقيقي، حين يقول: "لم أعرف في حياتي ساعات أحلى وأسعد من تلك التي قضيتها بين كتبي" .

الاثنين: يقول الفيلسوف مونتيسيكو: "حب المطالعة هو استبدال ساعات السأم بساعات من المتعة".. هذه المقولة تذكِّرني بملصق جميل موجود تقريباً في كلِّ صالات انتظار المراجعين في مباني الإدارات الحكومية والقطاع الخاص يقول: "دقائق الانتظار املأها بالاستغفار"، وعندي فقط ملاحظتان بسيطتان حول هذا الملصق الجميل، الأولى أنها مريضة نحوياً بسبب جشع السجع، والأصح –كما أعتقد- أن نقول "املأ دقائق الانتظار بالمزيد من الاستغفار"، أو "بترديد الاستغفار".. أما الملاحظة البسيطة الثانية على هذا الملصق الجميل جداً فهي أنني أتمنى أن أجد بين كلّ 99 ملصقاً استغفارياً ملصقاً واحداً يحمل عبارة "املأ ساعات المَلل بتدبُّر ثقافات المِلل".

الثلاثاء: القراءة بحدّ ذاتها رئة ثالثة، وكلّما ابتعدت الشعوب عن القراءة ضاقت أنفاسها، وتحشرجت صدورها، ومن يستعرض تاريخ الأمم التي وأدت الكتب سيكتشف أن النتائج تقريباً كانت عبارة عن تقهقر ذاتي وانتحار سياسي واجتماعي لم يبذل فيه الأعداء 1%، وبعد عقود رأينا تلك الأمم تنهض من بين الرُّكام لتنفض الغبار عن الكتب، ولسان حالهم يقول: "لنا في كل كتاب حياة".. وبالمناسبة فقط اختصر أحد الفلاسفة تلك المرحلة القاسية بقوله: "كلّما أغلقنا كتاباً كلّما سددنا النوافذ وتركنا عالماً بكامله يموت اختناقاً".

الأربعاء: ينصح الراسخون في عالم القراءة من أراد من القرّاء الجدد أن يفهم الواقع المحيط به أن يعود إلى التاريخ لتفهم الحاضر، وتكون مهيّأً للمستقبل، ومن حسن حظّك -حسب تعبير أحد القرّائين الجادّين- أن"كل ما فاتك في الحياة ستجده في المكتبة".

الخميس: يقول أحد الفلاسفة: "كل كتاب تقرأه تتعلم منه درساً" .. وأزيد على قوله بأنه لا يوجد كتاب غير مفيد، حتى لو كانت الفائدة الوحيدة فيه أن تردِّد بعد الانتهاء منه عبارة "هذا الكتاب غير مفيد".

الجمعة: يقول أحد الفلاسفة: "اقرأ كثيراً قبل أن تكتب".. وأنا أقول: لا تصدِّقه، بل اقرأ كثيراً حتى لو لم تكتب حرفاً واحداً، لأن القراءة غاية وليست وسيلة.

السبت: يوصيك أحد الفلاسفة قائلاً: "أهم شيء ألاّ تتوقف عن التساؤل وأنت تقرأ" .. بمعنى آخر: إن أفضل إجابة هي تلك الإجابة التي تولِّد المزيد من الأسئلة، وهذا بالضبط ما تفعله الكتب حين تحيل القارئ إلى بعضها البعض، من باب الأمانة مع القارئ، الذي من حقه أن يطّلع على حجة صاحب الرأي المخالف.