«لو دامت لغيرك ما وصلت إليك».. تلك سنَّة الحياة في التعاقب على المراكز القيادية في الحكم والإدارة.. لذلك رغبة في (تجديد الدماء)، تُسنُّ القوانين واللوائح لتقليل مدَّة مكوث الموظَّفين؛ القياديِّين خاصَّة في مناصبهم، وكذلك في عالم الأعمال.. فمعدَّل مكوث الرؤساء التنفيذيِّين في مناصبهم في كبرى الشركات العالميَّة لا يتعدَّى حدود السنوات السبع.. هذا ليس بالضرورة المدَّة المُثلى.. فهناك ناجحون يقضون سنوات أطول، ويحقِّقون أرباحًا كبيرة.. وبصورة عامَّة، بدأت مدَّة شغر المناصب القياديَّة العليا لاعتبارات عديدة تقلِّ، وذلك لبزوغ نجوم قياديِّين متعلِّمين لامعين، يبثُّون روحًا جديدة في إداراتهم تسفر عن اكتشاف كفاءات في شتَّى المسارات الوظيفيَّة في الصفِّ الثاني لترقيتهم إلى الصفِّ الأوَّل.

جيل اليوم في مملكتنا بفضل تنوُّع الثقافات، يتميَّز من سلفه باطِّلاع أوسع على كثير من متطلَّبات الإدارة والتوجيه بفضل تقنية المعلومات التي ليس لانتشارها حدود.. ومع هذا، لابد من الاعتراف بجميل من تقلَّدوا المناصب القياديَّة ووضعوا اللبنات الأُولى لصرح مملكتنا منذ اليوم الأوَّل لولادتها.. منهم كبار العلماء والأدباء والأطبَّاء والسياسيُّون والمهندسون والمهنيُّون، وغيرهم ممن اختارهم الملك المؤسِّس -طيَّب الله ثراه- من بلدان عربيَّة شقيقة للمشاركة في ترتيب البيت السعودي بما لديهم من علم وخبرة.. ولتأكيد عروبة المملكة الوليدة التي كانت الأولى والرائدة بقرن التسمية العربيَّة بالسعوديَّة؛ (المملكة العربيَّة السعوديَّة)، بينما اكتفت فيه البلدان الشقيقة حديثة الولادة باطلاق اسمها دون إضافة صفة العربيَّة.

الجدير بالتنويه أنَّ عددًا من شباب اليوم؛ ومن تلقَّى منهم التعليم في جامعات عالمية خاصَّةُ، وعادوا إلى الوطن، وتسلَّموا مراكز قياديَّة في الوزارات والإدارات الرسميَّة، وفي بعثات دبلوماسيَّة للمملكة في الخارج، ينتابهم نوع من الغرور أخذ ببعضهم التنكُّر لسابقيهم في مراكز العمل.. حالة لا نجد بها مثيلًا في الدول الرائدة عالميًّا في أخلاقيَّات العمل والتعامل.. ففي اليابان مثلًا، حيث يحظى السابقون في العمل باحترام وتقدير ممن حلَّ مكانهم.. فهؤلاء يحتفظون بصفة مناصبهم، وبمسمَّيات تشريفيَّة دون الالتزام بساعات الدوام.. ويقتصر أداءهم على توجيه الموظَّفين الجدد ليتفرَّغ الرؤساء لتسيير العمل وإنجاز المعاملات.. ومنهم من يُعهد إليه رعاية الموظَّفين الجدد ومتابعة أمورهم الشخصيَّة.. وللسفراء المتقاعدين كثير من ميزات؛ منها استشارة وزارة خارجيتهم لهم فيما يستجدُّ في العلاقات الثنائيَّة بين اليابان والدول التي سبق أن عملوا فيها كلَّما كانت هناك لقاءات ثنائية أو زيارات رسميَّة، وزيارات عمل لاستثمار ما بناه السفراء من علاقات صداقة مع صانعي القرار في تلك البلدان.. منها اختيار الجامعات ومراكز الأبحاث والدراسات في الشركات والمصانع وبيوت المال والأعمال لهم.. ومن ذلك، تقديم محاضرات عن العلاقات بين اليابان والدول الصديقة لتوثيق العلاقات الثنائيَّة وتمتينها فيما بينهم وتنشيط التبادل التجاري، والتحدُّث عبر وسائل التوجيه الثقافيَّة؛ (راديو وتلفزيون وكتب ومجلَّات) عن تاريخ وثقافة تلك البلدان.

كم جميلٍ تواضع من أصابهم الغرور، ليتيقَّنوا مقولة: «لو دامت لغيرك ما وصلت إليك».. وكما (تدين تدان)! والأجمل، ترتيب دورات للموظفين الذين اقتربوا من الإحالة على التقاعد تؤهِّلهم التكيُّف مع ما هو قادم بعد تنحيتهم عن المركز والمكتب وانصراف المنتفعين عنهم.. وتأهيل الموظَّفين الجدد ليحول بينهم وبين التقليل من كفاءة مَن تسلَّموا مكاتبهم وأدائهم.. ويبعد المتقاعدون عن التظلُّم ممَّن نفَّذوا القانون ووقَّعوا على قرار الإحالة على التقاعد! فالشكوى لغير الله مذَّلة.. وبالشكر تدوم النعم.

وإن كان من مطلب معقول فهو النظر في أمر تجميد الراتب التقاعدي الذي يصرف للمتقاعد من يوم الإحالة على التقاعد إلى يوم لقاء الوعد الحق.. فتكاليف الحياة في ازدياد، وقيمة النقد الورقي في انخفاض.. ومع تقادم العمر، يتعرَّض المتقاعد لعديد من المتاعب الصحيَّة، ومن الالتزامات الأسريَّة تجاه الأبناء والأحفاد ومن يلوذ بهم.. وحبَّذا لو اطَّلع من بأيدهم الحلُّ والعقد على نظام التقاعد في دول نشترك معها في مجموعة العشرين، وكذا النظام في كلٍّ من السويد والنرويج وهولندا، لأخذ المستطاع من أجل توفير حياة كريمة للمتقاعدين ردًّا لجميل عطائهم؛ نحو أربعين عامًا من الخدمة.