الحق أن الحكم الابتدائي، بإدانة، القائد العسكري السابق لصرب البوسنة راتكو ميلاديتش، المعروف بـ«سفّاح البلقان»، بالإبادة الجماعية لا يثير الدهشة أو حتى الأسى بقدر ما يثيرها رد فعل المجتمع الدولي وعلى رأسه نظرياً الأمم المتحدة وعملياً الولايات المتحدة!، هذا مع ملاحظة أن حكم المحكمة بالسجن المؤبد جاء حتى الآن وبعد كل هذه الأعوام من أدنى درجة.

سريعاً فقد قاد ميلاديتش البالغ من العمر الآن 78 عاماً قوات صرب البوسنة خلال الحرب التي استمرت من 1992 إلى 1995، حملات الإبادة الجماعية وارتكب في وضح النهار جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب وإرهاب وحصار سكان العاصمة البوسنية سراييفو 43 شهراً. والأهم من ذلك أنه قتل أكثر من ثمانية آلاف رجل وصبي مسلم في بلدة سريبرينيتسا في شرق البوسنة عام 1995.

وهنا يبرز السؤال، ماذا سيفيد السجن المؤبد لسفاح لن يجد لنفسه مكاناً في بلده ولا في أي بلد على وجه الأرض؟!.

تابع معي رد فعل الرئيس الأميركي جو بايدن الذي قال إن «هذا الحكم التاريخي» يظهر أن من يرتكبون جرائم فظيعة سيحاسبون فعلاً على ما قاموا به»!

وقالت الأمم المتحدة على لسان المفوضة السامية لحقوق الإنسان ميشيل باشليه في بيان مشترك مع مستشارة الأمم المتحدة الخاصة لمنع الإبادة أليس ويريمو: إن الحكم يشير إلى تصميم القضاء الدولي على المحاسبة «مهما استغرق الأمر من وقت»

إن عبارة الرئيس بايدن التي تنذر «من يرتكبون جرائم إبادة فظيعة» إذا أضفتها الى عبارة الأمم المتحدة «مهما استغرق الأمر من وقت» تفسح المجال لكل سفاح بأن يقتل ويعربد ويحرق ويبيد، وقد يواصل الحكم لعشر سنين أو أكثر، ثم يحاسب بالسجن المؤبد.

وفي حالة ميلاديتش، يكفي أن نعلم أنه مضى على جرائمه الشنيعة بتعبير الأمم المتحدة نحو ثلاثة عقود!

إن أفضل ما يتمناه بهذا النوع الدموي المقيت، هو أن يقضي ما بقي من عمره وحيداً، يتأمل فيما فعله، وفي عدد الأرواح التي قبضها، وحجم الدمار الذي ألحقه، باعتبارها انتصارات تاريخية لقائد تاريخي!

وعلى سبيل المثال فإن رادوفان كرادجيتش القائد السابق لصرب البوسنة أدين في لاهاي عام 2016 بجريمة الإبادة، وتسع تُهم أخرى، بينها الإفناء والترحيل واحتجاز رهائن. (دقق معي هنا في مصطلحي الإبادة .. الإفناء) ومع ذلك يعيش كرادجيتش خلف القضبان في وحدة اعتقال تخضع لإجراءات أمنية مشددة تابعة للأمم المتحدة في لاهاي!.

أما الست بيليانا بلافسيتش، رئيسة جمهورية صرب البوسنة المعلنة من جانب واحد والمرأة الأولى التي أدينت في لاهاي، فقد اعترفت بارتكابها جرائم حرب وحكم عليها بالسجن 11 عاماً سنة 2003، ثم منحت إفراجاً مبكراً سنة 2009.

وكذلك، فويسلاف سيلي، السياسي الصربي المتطرف الذي أدين خلال مرحلة الاستئناف بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وحكم عليه بالسجن عشر سنوات، لكنه كان حينها قد قضى بالفعل نحو 12 عاماً قيد الاعتقال وبالتالي بقي حراً طليقاً!.

وهناك أنتي غوتوفينا والجنرال المتقاعد في الجيش الكرواتي، والذي يعتبره العدي

د من الكروات بطل حرب، وقد حكم عليه بالسجن 24 عاماً في البداية بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، لكن تمّت تبرئته في مرحلة الاستئناف عام 2012.

ولماذا نذهب بعيداً؟! لقد ارتكب أريل شارون من المذابح والمجازر الكثير، وأبرزها مذبحة صبرا وشاتيلا ولم يتعرض له أحد قبل أن تحبسه أجهزة الموت السريري. وهناك مناحم بيجين الذي قاد منظمة «أرجون» لقتل ممثل الأمم المتحدة، ثم ارتكاب مجزرة دير ياسين عام 1948 وهناك شيمون بيريز الذي نفذ مذبحة قبية عام 1954 ثم مذبحتي قانا 1996 و2006 قبل أن يحصل على جائزة نوبل للسلام!

إن تلاميذ هؤلاء جميعاً وعلى رأسهم نتنياهو مازالوا يعملون لآخر رمق، أملاً في تسجيل تاريخ دموي جديد في فلسطين، وطمعاً في نوبل للسلام!

كانت جلسة محاكمة ميلاديتش تنتهي بالحكم الابتدائي، عندما وقفت منيرة سوباسيتش نيابة عن «أمهات سريبرينيتسا» شاكرة القضاة، ومؤكدة أن ميلاديتش «وحش لم يتُب عما فعله حتى بعد مرور 26 عاماً»!!.