لم يترك كتاب الله الكريم من محرم أو منهي عنه إلا وذكره وبينه كما في قوله تعالى (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ) وسار على ذلك النهج العظيم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم حتى نهاية القرن الثاني عندما حضر الفقهاء وبدأت لاءات النهي تبرز وتتمدد حتى بلغت في سطوتها إلى تحريم ما أحله الله سبحانه، واستمر ذلك التمدد حتى بلغ مرحلة تكفير البشر وتفجيرهم!.

ولعل تلك اللاءات لم تقتصر على الجانب الشرعي بل برزت لاءات قمعية أسرية ومجتمعية، تلك اللاءات التي تنادي بالويل والثبور وعظائم الأمور لكل من يخالفها أو يخترق جدرانها المتينة أو يقفز من على أسوارها العالية.

وللأسف أن تلك اللاءات قد بدأت ممارستها من قبل الأسرة مثل قولهم: لا تلعب ولا تبدِ رأيك بما يخالف من هو أكبر منك، ولا تعترض على مسألة أو سلوك أو معلومة، ولا يهم أن يكون اعتراضك عليها منطقياً أو مقبولاً أو حتى سيحل قضية كانت قبل ذلك مستعصية، بل هي لاءات لمجرد القمع والرفض فكانت تلك البداية لكبت السلوك والمشاعر والمواهب والقدرات ووأدها في مهدها وبالطبع أُجبر ذلك الجيل على القبول وطأطأة الرأس كيفما اتفق .

ثم تلقف المجتمع بعد ذلك تلك المهمة اللائية فبدأ يمارسها مع فئة الشباب ليكمل مابدأته الأسر فكانت لاءاته الرافضة لمقارعة العادات والتقاليد المقيدة للحريات بغير وجه حق كرفض المشاركة في اللقاءات المجتمعية ثم لا تفعل أو تقُلْ عند معارضتك لبعض العادات والتقاليد المتوارثة ولا يهم صحتها من عدمه، ثم استلمت المدرسة تلك المهمة اللائية وهي التي كان يفترض أن تكون المتنفس والهروب من تلك اللاءات لكنها للأسف قامت بإحكام المنافذ بالكثير من اللاءات الأخرى التي لا تنطلق من تقويم السلوك بل من عنجهية السلطوية المطلقة للمعلم والإدارة.

وهكذا بقية المؤسسات المجتمعية المحيطة حتى يخيل إليك أحياناً أنك مسيّر اجتماعياً ولست مخيَّراً في كل أمورك.

ولعلي بعد هذا العرض الموجز للاءات الرفض التي واجهناها ومازالنا نواجهها في مجتمعنا على وجه الخصوص أستطيع القول إن تلك اللاءات لم تنطلق من أساس شرعي أو أخلاقي بل انطلقت من أساس تسلطي قمعي والدليل أن كل تلك اللاءات القامعة المانعة أصبحت اليوم قابلة للتنفيذ بل واجبة التنفيذ في أغلبها كما هو الحال في التعليم أو في مخرجات التقنية التي أصبحت في متناول كل مانع لها بل إنها أصبحت من ضروريات الحياة لكن الأمر المؤسف أن تلك اللاءات ذهبت إلى غير رجعة لكنها تركت الكثير من الآثار، ككبت المواهب والقدرات والمهارات ووأدها مما أنتج لنا مجتمعاً استهلاكياً جامد الفكر ضامر المهارات. ولعل مؤشرات المستقبل توحي بالكثير من المبشرات الإيجابية، والله من وراء القصد.