امتداداً لجهودها المستمرة في إصلاح ذات البين ورأب الصدع ومساعدة المجتمعات المسلمة على تجاوز خلافاتها والتغلب على الصعاب التي تواجهها، ورغبة في تفعيل العمل الإسلامي المشترك لاستعادة الاستقرار والأمن في الدول الإسلامية، شهدت مكة المكرمة خلال الأسبوع الماضي توقيع "اتفاق السلام في أفغانستان"، الذي وقعته ثلة من أبرز علماء باكستان وأفغانستان، برعاية كريمة من الحكومة السعودية، تحت مظلة رابطة العالم الإسلامي، في حدث فريد جمع أبرز العلماء في البلدين، ممن لهم تأثير كبير وسط الشعب الأفغاني، مما يرفع التوقعات بالوصول إلى سلام مجتمعي ومصالحة شاملة بين الفرقاء في ذلك البلد الذي أنهكته الخلافات، وأوهنته التدخلات الأجنبية، وأضعفته أصوات الرصاص والمدافع والقنابل التي حصدت أرواح مئات الآلاف من أبنائه.

اللقاء الذي تم على مقربة من بيت الله الحرام حظي باهتمام رسمي وشعبي وإعلامي كبير، عطفاً على المكانة الكبيرة للمشاركين الذين يجتمعون تحت سقف واحد للمرة الأولى، وتكلل بإعلان تاريخي تناول كافة جوانب الأزمة، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، وامتاز بالحوار الهادف الصريح، حيث تداول المجتمعون بكامل الحرية في شؤون بلادهم، وتناقشوا حول أسبابها ودوافع استمرارها، واكتفى الجانب السعودي بتقريب وجهات النظر، حتى اتفق الجميع على كلمة سواء، وتعاهدوا على استمرار مساعي تحقيق الوفاق بين كافة الأطراف، والتحلي بأدب الإسلام في الاختلاف.

ومرة أخرى نجحت الدبلوماسية السعودية الرصينة في مساعيها للقضاء على أسباب الفتن، وتحقيق التقارب والتغلب على أسباب النزاع والشقاق، مستفيدة من مكانتها المتميزة التي تحظى بها وسط معظم دول العالم، والثقل السياسي الكبير الذي تتمتع به في العالم الإسلامي نتيجة لمكانتها الروحية المتفردة، والاحترام الذي تجده بسبب سياساتها الرصينة القائمة على مبدأ عدم التدخل في شؤون الآخرين، والميل نحو التدخل الإيجابي الذي يهدف في الأساس إلى مد يد العون والمساعدة وجمع الفرقاء على طاولات الحوار والنقاش وتهيئة الأجواء أمامهم للوصول إلى حلول مرضية.

هذه السياسة الحكيمة أسهمت في إعطاء المملكة مكانة خاصة ظلت تتمتع بها منذ توحيدها على يد الملك المؤسس المغفور له -بإذن الله- عبد العزيز آل سعود، حيث نأت على مدار تاريخها عن التهاتر والمناكفة وأساليب التجريح، وتفرغت لأدوار أكبر من ذلك، مدركة حقيقة أن وضعها كدولة قائدة للعالمين العربي والإسلامي يحتم عليها التجاوز عن الصغائر، وغض البصر عن السفاسف، والتركيز على ما يحقق الإضافة المطلوبة في عالم اليوم المضطرب.

هذا الجهد الذي يهدف للإصلاح بين المتناحرين هو استجابة لتعاليم الإسلام الذي أولى أهمية عظمى لحقن الدماء ومنع التعدي، وحث أتباعه في كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية إلى السعي بالحسنى بين المتخاصمين وإصلاح ذات البين.

الجهود الدبلوماسية السعودية لنزع فتائل التوتر في العالمين العربي والإسلامي وعلى المحيط الإقليمي ليست وليدة اليوم، وحققت نجاحات لافتة، آخرها ما تحقق في سبتمبر 2018 من مصالحة تاريخية بين إثيوبيا وإريتريا أنهت حرباً دامية وقطيعة استمرت لعدة عقود وتسببت في حالة من التوتر في منطقة القرن الإفريقي عانت منها كافة دول المنطقة، وهي الإنجاز الذي تقدمت معه الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي بإشادة رسمية.

بعد ساعات قلائل على القمة التي جمعت رئيسي إثيوبيا وإريتريا في جدة، حققت الدبلوماسية السعودية انتصاراً آخر بوضع حد للعلاقة المتدهورة بين إريتريا وجيبوتي التي تسببت في إعاقة نمو تلك الدول وأحدثت توتراً في أمن منطقة البحر الأحمر حاولت بعض الدول استغلاله لمصلحتها في إطار محاولات استغلال الوضع لإنشاء قواعد عسكرية تابعة لها، تزيد من اشتعال التوتر

ولا ننسى بطبيعة الحال مؤتمر الطائف الشهير، الذي حقن دماء اللبنانيين، ووضع حداً للحرب الأهلية، وكذلك جهود لمِّ الشمل الفلسطيني، الذي وإن لم يكن شكّل اتفاقاً نهائياً، إلا أنه أسهم في تهدئة الأوضاع والوصول إلى حد معقول من التفاهم. وكذلك قامت المملكة ولا زالت بدور هام في الأزمة اليمنية وهو ما لم يرضِ نظام الملالي الذي أوعز لعميله الحوثي باغتصاب السلطة ومصادرة الشرعية. وهنا يتجلى الفرق واضحاً بين الأدوار البناءة للدول الكبيرة التي تسعى لترسيخ الاستقرار ومد يد العون بأدوات الحياة والبناء وتلك التي لا تعرف غير التحريض وتوفير معاول الهدم والدمار والموت.

ما أريد قوله في هذه المساحة هو أن الدبلوماسية السعودية تستمر في تحقيق نجاحاتها اللافتة التي كان لها أكبر الأثر في استعادة الهدوء والاستقرار في أجزاء متعددة من العالم، قياماً بواجبها كدولة قائدة ورائدة في المنطقة، وهذا هو قدر الكبار الذين يتصدون للمهام الجسيمة. وما تقوم به المملكة في الشأن الأفغاني يستمد أهمية خاصة في إنقاذ هذا الشعب المسلم الذي عانى كثيراً من الحروب والاقتتال والتدخلات الخارجية التي أذهبت ثرواته وأضاعت أحلامه وكادت تعصف به.