للحياة أكثر من زاوية يمكن لكل إنسان أن يختار زاويته التي تناسب قدراته وإمكانياته، ثم لا يمل أو يكل من التطلع إلى الانتقال إلى زاوية أخرى أكثر اتساعاً وإشراقاً لكن بالعمل والأمل لا بالأوهام والانفصال عن واقعه والعيش في الأحلام دون مجهود ودون تحلٍّ بالمعاني الإنسانية السامية ينبوع السعادة الخالد رغم رحلة الحياة القصيرة وحتمية الفناء.

عندما تنظر للمرضى تحمد الله على الصحة، وعندما تنظر إلى المحتاجين لأبسط مقومات الحياة تحمد الله على النعمة التي بين يديك، وعندما تنتابك مشاعر العظمة والكبرياء تذكر أن لا شيء دائم إلا الله، لتستعيد إنسانيتك وطبيعتك البشرية المجبولة على مكابدة الحياة.

مفهوم قوله تعالى «لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ « 4 سورة البلد، لا يعني عذاباً عبثياً كعذاب سيزيف الفتى الإغريقي الأسطوري الذي يحمل صخرة ويصعد بها إلى قمة الجبل، لكنها تسقط متدحرجة إلى السفح قبل وصوله إلى القمة، وهكذا يعاود سيزيف الصعود بالصخرة إلى الجبل في عذاب لا نهائي، كما ورد في كتاب كامو (البير كامو فيلسوف عبثي وكاتب مسرحي وروائي فرنسي 1913م- 1960م) سيزيف، لتوضيح فكرتي العبثية والتمرد، أي التمرد على اللامعقول في الحياة مع بقائنا غائصين في الأعماق ومعانقين العدم، فإذا متنا متنا متمردين لا مستسلمين.

بل السعي الحثيث للاستثمار، استثمار الفرح كما يقول المكيون: «الفرح صيدة»، واستثمار الحزن بالصبر، استثمار المحنة وتحويلها إلى منحة. ربما يرى بعض الناس أن هذه أقوال نظرية لا يمكن تطبيقها واقعياً، وربما يرى بعضهم الآخر غير ذلك، لذلك عنونت المقالة: بـ»الحياة من وجهة نظرك»، أنت كما تراها تكون، أو كما يقولون هونها تهون، أو كما يرى كامو: أن عدم فهم الإنسان للحياة وثقلها والعادة التي يفرضها الوجود عليه يؤدي بذلك الإنسان المدرك لذاته إلى شعوره بأن تلك الحياة لا تستحق العناء إلا أنه يستمر في أداء الحركة التي يفرضها عليه الوجود، كما حكم على سيزيف الأسطوري!

هو هذا التمرد أو سمِّه النضال ضد كل ما يصيب الانسان في الحياة الذي يمنح الحياة جمالها، والإيمان بأن الوصول إلى السعادة بالنضال الشريف من خلال معاني العدالة والحب والحرية والإخلاص والنزاهة والاحترام المتبادل بين الصغير والكبير، الغني والفقير، التراحم والتكافل، كل هذه المعاني هي التي تعطي للحياة رغم قصرها وحتمية نهايتها، المعنى الوجودي والإنساني، وتحقق الإحساس بالسعادة.

فكرة السعادة في القناعة أيضاً معنى وجودي مهم ربما لم يعد مقنعاً في عصر أصبح فيه الانسان راكضاً ومبهوراً بامتلاك كل شيء، وعندما يحصل عليه يعود مرة أخرى للركض خلف امتلاك شيء آخر، ويكتشف خلال هذا الركض والانبهار ومشاعر السعادة المؤقتة والرغبة المتأججة أنه ليس سعيداً وأن ما بين يديه قبض الريح، مع أن بإمكانه أن يقنع بما بين يديه ليفتح باباً للسعادة تدخل منه، ثم يكتشف أن الباب اتسع لمعانٍ أخرى يدعم بعضها بعضاً في تناغم وانسجام.

بعض الناس -للأسف- يشعر أحياناً بهذا الإحساس العبثي عندما لا يجد له هدفاً، أو أنه يبحث عن هدف ولا يتمكن من تطويع مقدرته على الوصول لهذا الهدف، أو تحقيق شيء من آماله وطموحاته وأحلامه «فيكفر» بكل المعاني السامية التي تعطي للحياة نكهتها المميزة لكل إنسان على حدة رغم حتمية موته إلا أن العدالة والحب والحرية ترسخ مفهوم الديمومة مع القناعة بأنه لا دائم إلا الله سبحانه وتعالى.

من أشهر أقوال كامو: «لا أبغض العالم الذي أعيش فيه، ولكن أشعر بأنني متضامن مع الذين يتعذبون فيه.. مهمتي ليست في تغيير العالم فأنا لم أعطَ من الفضائل ما يسمح لي ببلوغ هذه الغاية، ولكنني أحاول أن أدافع عن بعض القيم التي بدونها تصبح الحياة غير جديرة بأن نحياها ويصبح الإنسان غير جدير بالاحترام».