«أطعم الفم تستحي العين».. واحد من الأمثال الشعبيَّة التي كانت تردِّدها على مسامعنا الجدَّة -يرحمها الله- كلَّما علمت بوجود عقبات تعترض تعاملنا مع الآخرين، ونرغب في تجاوزها، مع تأكيدها أَنَّ إطعام الفم لا يقتصر على تقديم الطعام، وإنَّما يتعدَّاه ليشمل كلَّ ما يصدر منه كالكلمة الطيِّبة أو الحديث الشيِّق، وكذا تقديم الهدايا في المناسبات.. وهذا من هدي رسولنا الكريم في قوله عليه الصلاة والسلام: «تَهَادُوا تَحابُّوا». يُسفر هدي رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، وهذا المثل الرائع عن نتائج إيجابيَّة يلمسها بصفة خاصَّة العاملون خارج المملكة من المبتعثين وممثلي الشركات والمصانع، وهم يسوِّقون مملكتنا ومنتجاتها الصناعيَّة والكيماويَّة والزراعيَّة.. تراهم عندما يقدِّمون لضيوفهم من البلد المضيف أطباق مطبخنا السعودي التقليديَّة، يتيحون المجال للتحدُّث عن حضارة بلدنا وتراثنا وأسلوب معيشتنا.. وبالمقابل، يحفزون الضيف على التحدُّث عن حضارة بلده وتراثها وأسلوب معيشة مواطنيه.. حوار كهذا إلى مائدة طعام، مصداق لتوجيه المولى في محكم التنزيل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾. ويا له من تعارف، ويبدأ بحديث إلى مائدة طعام ويوطِّد الصداقة! سبق لي أن لبَّيت دعوة زميل دبلوماسي باكستاني إلى حفل عشاء، وكان من عشَّاق الموسيقى.. وأخبر الحضور بكلمة الترحيب، أنَّه وزوجته يعدِّان الموسيقى والغناء مع اللقمة اللذيذة توطيدًا لروابط الودِّ بين الأصدقاء.. وأضاف أنَّه سيبدأ الحفل بعزف على آلة الشيتارو؛ (شبيهة بالعود).. وحالما ننتهي من تناول وجبة العشاء التي ستحضَّر أمامنا، سترافقه زوجته بأداء أغنيات تراثيَّة.. وبالفعل، ما أن انتهينا من وجبة العشاء، واستمتعنا بـ(الدال سوب) شوربة عدس بالكاري، وطبق الأرزِّ البرياني باللحم والخضروات حتَّى عاود مضيفنا العزف، وزرجته ترافقه بأغانٍ تراثيَّة ختمتها بأغنية: (اسمي كشمير، والعديد من المذابح هنا وهناك).. أدَّتها ودموعها تنهمر على وجنتيها.. لأنَّ جذور والديها من كشمير، الإقليم الذي ضمَّته بريطانيا للهند إبَّان تقسيم القارة الهنديَّة إلى دولتين؛ واحدة هندوسيَّة، والأُخرى إسلامية، أطلقت عليها اسم باكستان.. ومع انَّ غالبيَّة سكَّان كشمير من المسلمين.. وكعادتها لتزرع عند انسحابها من مستعمراتها بذور الصراع وعدم الاستقرار.. وهذا عينه ما حصل عند ولادة دولتي الهند والباكستان. لذا تجتهد الدبلوماسيَّة الباكستانيَّة بالتعريف بقضيَّة كشمير، لدعم جهود عودتها لباكستان بشتَّى الوسائل المتاحة، ولما بين المملكة وكلٍّ من باكستان وبنغلاديش من صلات وطيدة، كنت باستمرار على قائمة حفلات السفارتين ومنسوبيها. في واحدة من تلك الدعوات، كان المضيف البنغالي من أسرة معروفة بغناها، وكان المتوقَّع أن يقيم في سكن يليق بثراء أسرته، غير أنَّه لم يفعل، واستأجر سكنًا متواضعًا أسوة بزملائه في السفارة.. تبريره في ذلك أنَّه يمثِّل بلدًا فقيرًا بمواردها، وعليه طلب العون والمساعدة من البلد المضيف.. وهذا ما فرض عليه السكن المتواضع، وألزمه هو وزوجته أخذ دورات في الطهي دون حرج.. فإعداد الطعام كما يُروى، من الفنون الجميلة كالرسم والموسيقى، إن لم يتفوَّق على جميع الفنون اليدويَّة! من محاسن الصدف، تميُّز مطبخ بلد الحرمين الشريفين بإتقان معظم أطباق البلدان الإسلاميَّة التي طاب مذاقها، وأضيفت إليها لمسات تميَّزها من وصفاتها الأصليَّة بحكم اختلاط العديد من مواطنينا بضيوف الرحمن في مواسم الحج والعمرة والزيارة، ومع من استطابت لهم الإقامة الدائمة في المدينتين المقدَّستين وما حولهما. لذا، يمكننا القول: إنَّ أطباق مطبخنا السعودي تقدِّم عرضًا أمميًّا لطعام الشعوب الإسلاميَّة وثقافاتهم في فنون الطهي وتناول الطعام.. وفي تقديري أنَّ التحوُّل الحضاري الذي تشهده المملكة هذه الأيَّام قد تدخل مادَّة فنِّ الخدمة المنزليَّة بما فيها طهي أطباق مطبخنا السعودي، ومطابخ الشعوب الشقيقة والصديقة في مناهج التعليم للجنسين، مبسَّطة في المراحل التحضيريَّة والابتدائيَّة، ومفصَّلة في المراحل الثانويَّة، ليتقبَّل أفراد الأسرة جميعهم الخدمة المنزليَّة ويعتادوها، لنحدِّ بذلك من استيراد العمالة الأجنبيَّة، ويستنكف العديد منا ترتيب أموره الشخصيَّة بنفسه غير مقتدٍ برسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، كما روي في السيرة الشريفة من أنَّه كان يحلب شاته، ويرقِّع ثوبه، ويخدم نفسه، ويخصف نعله.. واتِّباع سنَّة رسولنا الكريم من مكارم الأخلاق التي بعثه الله لإتمامها.