تحدثت في الحلقة الماضية عن بعض أسس تطوير المناهج وهو التحديث مع الحفاظ على الهوية الوطنية العربية الإسلامية، وتوقفتُ عند: ثالثًا: تذوق الجمال..

إنَّ الإسلام دين الجمال والكمال، فهو دين الكمال لقوله تعالى: (اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضيتُ لكم الإسلام دينًا)، فهو دين حياة وآخرة، دين اكتمل فيه التشريع الإلهي لكل ما ينظم حياة البشر مع خالقهم، ومع بعضهم البعض، ومع غيرهم من المخلوقات، وأجاب عن التساؤلات الأساسية في حياة الإنسان: من أين جئت؟ ولماذا أتيْت؟ وإلى أين أصير؟.

ودين الجمال، فلأنَّه سلك في بيانه المسلك الجمالي الأعلى، بل المعجز في حالة القرآن الكريم، وما من أديب أو قارئ للأدب والفكر، مسلمًا كان أو غير مسلم، إلاَّ وهو يتوقف أمام النص القرآني مبهورًا مُقرًا بروعته وجماله وإعجازه. [سليم عبد القادر: تذوق الجمال، من كتاب ما لا نعلمه لأولادنا ـ لمجموعة مؤلفين، ص 105، مركز الراية للتنمية الفكرية، جدة ـ دمشق، ط 1423هـ ـ 2003م].

ثُمَّ إنَّ النبي الكريم عليه الصلاة والسلام قد فتح للناس أبواب الجمال.. فقال: «الكلمة الطيبة صدقة» [صحيح البخاري]، وقال:»حُبِّب إليَّ من دنياكم الطيب والنساء، وجُعلت قرة عيني في الصَّلاة» [رواه النسائي]، فجمع بين جمال الحواس وجمال الروح، وهو يقول:»إنَّ من أحبكم إليَّ وأدناكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا» [رواه الترمذي]، وحين يأتيه رجل أشيب أشعث الشعر يأمر بصبغ شعره وتمشيطه. وهو يحث أصحابه على النظافة والجمال حتى يبدوا كأنَّهم شامة في أعين النَّاس.[سليم عبد القادر. مرجع سابق. ص 105] والفن هو ميدان الجمال الأكبر، ولكن بعض الناس يفصلون بين الجمال والأخلاق، ولا يهمهم المضمون ما دام الأداء مستوفيًا شروط الفن، وهؤلاء أصحاب مذهب الفن للفن، ولكن الفن في الإسلام هو شكل ومضمون معًا، فالمضمون الجيد وحده لا يصنع فنًا ما لم تتوفر فيه أدوات الإتقان الفني؛ لذا نجد القرآن في سورة الشعراء قد قسَّم الشعراء إلى قسمين طبقًا للمضمون لا الشكل، ذلك أنَّه من حيث الشكل لا يكون المرء شاعرًا ما لم يستوفِِ شروط الشعر الفنية، ولكن الاختلاف في المضمون، فهل يستوي الشاعر الذي يدعو إلى مكارم الأخلاق بشاعر يدعو إلى الفسق والفجور؟.

والسؤال هو كيف نعلِّم أبناءنا تذوق الجمال؟ فتذوق الجمال ليس بعلم قابل للتعلم كأصول الفقه والنحو والرياضيات، ولكنه يكون بتنمية ملكة التذوق للجمال لدى التلاميذ من خلال حصص القرآن الكريم والحديث الشريف، وبيان ما فيهما من إعجاز بلاغي، وكذا في حصص الأدب واللغة العربية والرسم، ومن خلال تنظيم رحلات مدرسية لزيارة المساجد والمناطق الأثرية والمتاحف ومعارض للفنون التشكيلية، فتنمية الحس الجمالي وملكة التذوق للجمال جد مهم في الرقي الحضاري، وتذوق الجمال يجعل أبناءنا يرفضون الفن الهابط المبتذل، كما يجعلهم يحرصون على الجمال في سلوكياتهم وأخلاقياتهم وملابسهم ومبانيهم وداخل بيوتهم، وفي الحارات والأزقة والشوارع، وفي الحدائق والميادين، وفي كل مكان، ويحرصون على المحافظة عليها لتظل جميلة في كل وقت وحين، فتختفي لدينا ظاهرة الأرصفة المكسرة، والشوارع والحارات التي تُرمى فيها النفايات والقاذورات، وكذا المباني المتهالكة، والسيارات القذرة، ومكاتب العمل المتراكم عليها التراب، ودورات المياه لتي تنبعث منها الروائح الكريهة، كما يجعل هذا أبناءنا يحرصون على كل ما في بيئتهم وبلدهم، ولا يفكر أحد منهم بالعبث بهذا الجمال بتفجير مبنى أو متجر أو سيارة.

كما أنَّ تذوق الجمال يساعد على تهذيب انفعالات المراهقين ونموها في اتجاه النضج المرغوب فيه. رابعًا: مراعاة الفروق الفردية على المنهج الدراسي مراعاة الفروق الفردية بين التلاميذ، بل عليه مراعاة الفروق في قدرات التلميذ الواحد، فالتلميذ تختلف قدراته من مجال إلى آخر، وليس معنى تأخر التلميذ في القراءة مثلًا أنَّه متأخر في الحساب، أو ربما يكون التلميذ متأخرًا في مجال لكنه متقدم في مجال آخر؛ لذا يجب أن يُتيح المنهج فرصًا تسمح بالتعرف على ما لدى التلميذ من خصائص تساعده على النجاح في حياته، وأن يساعد التلميذ على اكتشاف نواحي القوة في قدراته [د. سعيد بامشوش، أ..نور الدين عبد الجوَّاد: التعليم الابتدائي، ص 93، دار الفيصل للمنشورات الثقافية، ط1، سنة 1400هـ - 1980م.]

لذا فقد ابتعدت المناهج الحديثة عن صيغ التحديد المفصل لصياغة المناهج، وبدأت في تقديم دراسات اختيارية متنوعة، وبرامج خاصة تتمشى مع الفروق الفردية والقدرات، فيختار التلميذ من بين المواد الدراسية ما يتمشى مع ميوله وحاجاته، وقدرته على الدراسة كما لم يعد يطلب المنهج من كل التلاميذ مستوى واحداً للتحصيل، بل يضع مستويات مختلفة يصل كل تلميذ منها إلى ما يناسبه. ومراعاة الفروق الفردية تتطلب وجود ما سبق ذكره من ضرورة وجود مرونة في المنهج الدراسي تسمح بالتعديل (إضافة وحذفًا وتقديمًا وتأخيرًا) تبعًا لمطالب الفروق الفردية، ثُمَّ يتعرف المدرس على نواحي القوة والضعف في تلميذه، فإنَّه يتمكن من تكييف المنهج ليلائم قدرات هذا التلميذ، وبذلك يصبح ملائمًا لكل تلميذ.[المرجع السابق]. (للحديث صلة).