كنت أخدم في القوات المسلحة المصرية عندما كان مصطلح الخدمات اللوجستية يبدو غريبًا على الأسماع، قبل أن يصبح سمة العصر في السنوات الأخيرة. وتابعت في لندن تقريرًا مثيرًا عن عقد وقعته وزارة الدفاع البريطانية مع شركات القطاع الخاص العاملة في مجال الخدمات اللوجستية لتوفير السلع وخدمات التحول، لمدة 13 عامًا، ضمن منظومة متكاملة تستهدف تحديث إجراءات شراء السلع، التخزين والتوزيع، سلامة سلسلة التوريد التي من شأنها تسريع الاستجابة لاحتياجات الجيش، في نفس الوقت الذي تقوم فيه بتوفير المال للدفاع.

شيئا فشيئا بدأ اقتران الخدمات اللوجستية بقطاعات بل بوزارات عديدة أهمها التجارة الخارجية والصناعة، بل والزراعة في بعض الدول الأوروبية. لقد كان الهدف وما يزال هو استخدام الموارد بأكثر الطرق فعالية، مع تقليل التكاليف وتحسين النتائج قدر المستطاع.

ومع دخول وسائل النقل والاتصال الحديثة، وذيوع مصطلح «العالم قرية صغيرة» ومع حدة التنافس العالمي على سوق إمدادات قيمته تتجاوز الآن 400 مليار ريال، ومع ظهور خدمات التخزين، والتحميل، والتفريغ، والتوزيع، والتعديل، والتجميع، وجدت بعض الدول نفسها داخلة في المنظومة، ومستفيدة من الخدمات اللوجستية، رغم أنها لا تنتج، ولا تصنع، فما بالك بالدول التي تنتج وتصنع، وتبدع في كل المجالات؟ وما قيمة إنتاجها وصناعتها، وإبداعها، ما لم ينتقل سريعًا وبتكلفة أقل، إلى أنحاء العالم؟!

في ضوء ذلك كله وأكثر منه، ينبغي النظر إلى إستراتيجية النقل والخدمات اللوجستية التي أعلنها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ، والتي تهدف لترسيخ مكانة المملكة مركزًا لوجستيًا عالميًا يربط القارات الثلاث، وبما يتفق مع تغير مسمى وزارة النقل إلى وزارة النقل والخدمات اللوجستية.

لقد آن الأوان لأن يتحول قطاع النقل والطرق في المنطقة العربية عمليًا لا نظريًا ليصبح بالفعل رئة للاقتصاد بجميع أنشطته. وهو في الحالة السعودية وبحكم موقعها الجغرافي الذي يتوسط القارات الثلاث سيصبح دافعًا قويًا لمضاعفة إنتاجية قطاعات عديدة، فضلًا عن نهوض قطاعات جديدة، ودخولها ساحة التنافس العالمي، عبر قاطرة الخدمات اللوجستية، برًا وبحرًا وجوًا.

في ضوء ذلك، أيضًا يصبح من الأهمية بمكان إنشاء معهد لتخريج وصقل جيل بل أجيال من المديرين اللوجستيين، وإذا كان ذلك متعذرًا، فليتم إعداد دورات مكثفة عن الإدارة اللوجستية، وكيف ينبغي أن يكون المدير اللوجستي ملمًا بأحدث أساليب التخطيط الإستراتيجي، وتوجيه فريق العمل وتحسين وتنسيق دورة النظام الكامل، فضلًا عن مهارات الاتصال والتفاوض مع الموردين والمصنعين والتجار والمستهلكين، وامتلاك المهارات التحليلية والتنظيمية، والقدرة على ترتيب المهام وتنظيم الوقت.