تُسارع الأصابع لملامسة أزرار (مذياع السيارة) حال الصعود لها، ويتأكد الأمر عندما يكون الشخص ليس لديه ما يُشغله، خصوصًا والإذاعات كثيرة ومتنوعة، وكل إذاعة لها طابعها الخاص، فهناك إذاعات ذات طابع إخباري وأخرى ديني وأخرى تهريجي فوضوي...إلخ. في مروري -وأنا في السيارة- على الإذاعات أُعرج على (إذاعة القرآن الكريم) من المملكة العربية السعودية شرط أن يكون القارئ هو (المنشاوي أو عبدالباسط أو شبيب أو غلوش أو العناني أو سعيد نور) وخاصة في قراءاتهم المجوَّدة، غير أن المحطة الإذاعية التي تحوز النصيب الأكبر من استماعي خلال وجودي في السيارة هي (إذاعة نداء الإسلام) التي تُبث من مكة المكرمة، والتي أطلَّت على المستمعِين في (٧ / ١٢ / ١٣٨١هـ) بمسمى (صوت الإسلام) في فترة عصيبة تنازعت فيها الأمةَ العربيةَ تياراتٌ ومذاهبُ قومية ويسارية، وكان المد القومي العربي -حينَها- طاغيًا، وكان له أتباعه والمخدوعون به، فكانت ولادة إذاعة نداء الإسلام بمثابة الضوء الذي جلَّى للكثير من الجماهير العربية -في الداخل والخارج- طريقها وأوضح لها مسارها وصحح لها مفاهيمها وعمل على إحداث تغيير إيجابي في وعي تلك الجماهير التي فُتنتْ وخُدعتْ بما كانت تبثه -وقتَها- إذاعة (صوت العرب) من خطابات تعبوية ثورية، وخُدعتْ وهي تُسلِّم عقولها لبيانات مزلزلة عن انتصارات عربية (وهمية) على المحتل الإسرائيلي، حتى أفاقت على (النكسة) التي تبين لها بعدها أنها كانت مخدوعة حينما سلمت عقولها لهدير مذيعِي (صوت العرب) وكلماتهم الرنانة ونبرات أصواتهم المتورمة. لهذه المبررات وغيرها قامت إذاعة نداء الإسلام في مكة المكرمة مهبط القرآن الكريم ومبعث رسالة الإسلام المحمدية وهي تهدف -بحسب موقعها- إلى «التعريف بالإسلام ومبادئه وبث التوعية الإسلامية إضافة إلى محاربة التيَّارات والأفكار المتطرفة التي تسعى إلى تشويه صورة الإسلام».

ومع اشتغال الإذاعة جيدًا على هذه الأهداف والغايات السامية إلا أنها لم تكتفِ بذلك؛ فكان التنوع في برامجها هو السمة الغالبة عليها، ولذلك فأنت حينما تستمع لإذاعة نداء الإسلام فكأنك تستمع لمحتوى مجلة شاملة ذات موضوعات متنوعة وقيمة؛ فبرامجها غير مبالغة في الطول فتُمَلُّ، وليست من القصر بحيث يزهد المستمع فيها. يضاف لذلك طريقة تقديم برامجها بفواصلها وعرضها بأسلوب بديع ومشوق تجعل المستمع لا ينفك عن المتابعة والترقب لما هو آتٍ من برامجها.

إذاعة نداء الإسلام ليست بالإذاعة الرتيبة، وليست بالإذاعة الصاخبة التي تقوم على الفوضى وغثاء الكلمة؛ فبرامجها تقوم على التنوع والتشويق، وتُقدم صورة ناصعة للإسلام في قالب جميل، وتستخرج للمستمع كنوز القرآن الكريم والسنة النبوية، وتُبحر به في علوم اللغة العربية، وتتعمق به في التربية وقضاياها، وتواكب به المستجدات، وتضعه في دائرة الوعي، وتهتم بصحته، وتبسط له الأنظمة، وتُبرز له محاسن الأخلاق وفضائل الآداب، فغدت بذلك صوتًا للاعتدال ومنبرًا للتنوير. وقد أحسن القائمون بأمرها عندما اختاروا لها الآية «أصلُها ثابتٌ وفرعُها في السماءِ» لتكون شعارًا لها؛ فإذاعة نداء الإسلام ذات أصل ثابت هو الإسلام الراسخ في أفئدة المسلمِين الذي قامت لخدمته، وفرعُها متطاول في السماء يُساقِط رُطَبَ الكلمة الطيبة النافعة على المستمعِين، ولذا فمتابعوها يتوزعون بامتداد العالم وتحظى كما تذكر صحيفة سبق الإلكترونية «بعناية كبيرة ومتابعة من كل أطياف المجتمع الإسلامي في مختلف دول العالم، ويصل عدد متابعيها أكثر من ثمانية ملايين يوميًّا في مختلف دول العالم».

المؤكَّد أن إذاعة نداء الإسلام كغيرها لا تخلو من الملاحظات، وهذه الملاحظات يعرفها جيدًا الملازمون لبرامجها من خلال المذياع المنزلي والمتنقل أكثر من الذين يستمعون لها فقط من خلال مذياع السيارة كحالي، والمؤكَّد أيضًا أن القائمِين بأمرها يعملون جاهدِين للوصول بها لملامسة حالة الرضا لدى المستمعِين. وإن كان من ملاحظة فهي ضعف بثها في تهامةِ الجنوب الغربي من المملكة وعدم تعمقها أكثر -بحسب متابعتي- في قضايا الفكر والثقافة المعاصرة وإشكالياتها؛ لتعمل على تصحيح بعض مفاهيمها.