يبدو أن الرئيس الأمريكي (بايدن) وجد أخيرًا أنه لا طائل من وراء بقاء قوات بلاده في أفغانستان بحسابات المكسب والخسارة ولذلك أعلن عن انسحاب قواته من هناك، مشيرًا إلى أنه رابع رئيس يترأس وجود القوات الأمريكية في أفغانستان، وأنه لن ينقل هذه المسئولية إلى رئيس خامس، وبالتأكيد ستنسحب معه قوات دول التحالف الثلاثين، ودعونا نربط هذا القرار بقناعات سابقة لدى الرئيس بايدن حينما زار أفغانستان بوصفه نائبًا للرئيس الأسبق (أوباما) في الأعوام 2009 - 2011، إذ توصل وقتها إلى أن بناء الدولة هناك كان مضيعة للوقت، وكان يرى بدلا من ذلك بأنه يجب التركيز على نهج المواجهة لمكافحة الإرهاب باستخدام الضربات الجوية وغارات القوات الخاصة.

معروف بأن التدخل الأمريكي ومعه قوات دول التحالف تم عقب هجمات (الحادي عشر من سبتمبر) التي طالت مركز التجارة العالمي واتهم فيه تنظيم (القاعدة) الذي يتخذ من الأراضي الأفغانية ملاذًا له، حيث اجتاحت القوات الأمريكية أفغانستان وأطاحت بحكم طالبان، وطردت تنظيم القاعدة من هناك، قرار الانسحاب من أفغانستان هذا تم التوصل إليه بعد عشرون عامًا، فلا مكاسب لأن تبقى القوات هناك، لاسيما وأن الحصيلة كانت مقتل أكثر من (2300) جندي أمريكي، وإصابة الكثير، بالإضافة إلى مقتل (450) جنديًا بريطانيًا، ومئات الجنود من جنسيات أخرى، وفي المقابل قُتل (60) ألفًا من أفراد قوات الأمن الأفغان، و(100) ألف من المدنيين.

ولا شك بأن الوجود العسكري الغربي هناك طوال الفترة الماضية نجح في تحقيق هدفه، إذ أنه منذ دخول تلك القوات لم يتم التخطيط لأي هجوم إرهابي دولي ناجح، وتم تصفية قائد (القاعدة) وتشتيت قادة الحرب المنتمين لها.

إن رحيل القوات الأمريكية وقوات دول التحالف من شأنه أن يعيد تنظيم القاعدة، وتنظيم الدولة الإسلامية، والجماعات الإرهابية المسلحة الأخرى، والظهور علنًا في المساحة الأفغانية، شاهِدنا في ذلك هو الاجتياح الذي تم خلال الشهر الماضي من قبل (طالبان) لعشرات المناطق والمدن الرئيسية وتم فيه السيطرة على (142) مقاطعة، بينما لا تسيطر الحكومة الأفغانية إلا على (86)، واستولت طالبان على تلك المقاطعات دون قتال بعدما استسلمت القوات الحكومية، وذلك يؤكد أن الأمور تمضي لصالح (طالبان)، ومع أن الرئيس الأفغاني (أشرف غني) قد تحدث بأنه أعد خطة تشمل اتفاقًا سياسيًا مع حركة طالبان يتضمن وقفًا لإطلاق النار وإجراء انتخابات رئاسية، إلا أن طالبان لا يريدون سوى (إمارة) يديرها مجلس ديني كما كانت عليه من قبل أثناء حكمها بين الأعوام 1996 - 2001.

حرب التصريحات بدأت هذه الأيام، فالمتحدث باسم (البنتاغون) قال بأن القوات الأمريكية ستحتفظ بصلاحيات حماية القوات الأفغانية، وأن الانسحاب مرشح للتباطؤ في ظل التزايد اللافت في تحقيق حركة طالبان مكاسب على الأرض، وفي المقابل حذرت حركة طالبان من أنها لم تعد ملزمة باتفاق بشأن عدم استهداف القوات الدولية، حيث أن موعد الانسحاب المتفق عليه في الأول من مايو قد حل منذ شهرين، وبقاء القوات بعد هذا التاريخ يعد انتهاكاً واضحًا للاتفاق.

سنرى إذا ما كانت استراتيجية (ما وراء الأفق) التي سيتبناها الرئيس (بايدن) بدلا من الوجود العسكري ستساهم في مكافحة الإرهاب بالاعتماد على حاملات الطائرات والقوات الجوية أم ستفشل؟!