﴿وَقالَ ربُّكُمْ ادْعُونِي اسْتَجِبْ لَكُمْ﴾، صدق الله العظيم.. فباستجابته دعاء نبيِّه إبراهيم عليه السلام: ﴿رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾، فها هي أفئدة لا حصرَ لها من المسلمين من شتَّى بقاع الأرض تهفو إلى بيت الله الحرام في مكَّة المكرَّمة، وما تزال إِلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.. متَّجهة صوب الكعبة المشرَّفة للصلاة.. ومن يستطيع إليها سبيلًا، شدَّ الرحال إلى مكَّة المكرَّمة للحجِّ والعمرة، وإلى المدينة المنوَّرة للزيارة.. منهم من يجمع بين العبادة وطلب الرزق؛ تاجرًا ومنتجًا وموزّعًا لكلِّ ما تنتجه أرض الله الواسعة من مأكل ومشرب وملبس، ومن متطلَّبات الحياة من أجهزة ومعدَّات وتقنية.. كلُّ هذا، جعل من أُمِّ القرى؛ مكَّة المكرَّمة ومن المدينة المنوَّرة معرضًا دوليًّا أبوابه مفتوحة ليلًا ونهارًا طوال أيَّام السنة.. ويزداد عدد قاصديه بازدياد عدد السنين، وتزايد عدد سكَّان كوكبنا الأرضي، وتطوُّر سبل الوصول إلى بلد الحرمين الشريفين.

ولتوفير راحة قاصدي الحرمين الشريفين من ضيوف الرحمن وسلامتهم، فقد دأب الملوك، خدَّام الحرمين الشريفين من اليوم الأوَّل لقيام المملكة العربيَّة السعوديَّة وما يزالون على توفير الأمن والأمان في إرجاء البلاد كافَّة.. وتحديث طرق المواصلات البريَّة والبحريَّة والجويَّة المؤدِّية إلى بلد الحرمين الشريفين وصولًا إلى المدينتين المقدَّستين من شتّى أرجاء العالم، باذلين كلَّ ما ممكنٍ من أجل راحة زوَّار الأماكن المقدَّسة لتأدية مناسك الحجِّ والعمرة، وزيارة بيت نبيِّنا الكريم في المدينة المنوَّرة بسهولة ويسر.. وبذلهم بسخاء لتوسُّعات غير مسبوقة للحرمين الشريفين، وتحديث مرافقهما عمرانيًّا وتطويرها، وتقديم خدمات تتوافق مع متطلَّبات العصر.

فغدا كلٌّ من بيت الله الحرام في مكَّة المكرَّمة وبيت نبيِّنا الكريم في المدينة المنوّرة أيقونة معماريَّة حضاريَّة يشار إليها بالبنان على مستوى العالم لما هي عليه من جمال عمراني بتصاميم هندسيَّة، وزخارف فنيَّة راقية بعضها بالخطِّ العربي وبتنوَّع أشكاله في كتابة العديد من الآيات القرانيَّة الكريمة، والأحاديث النبويَّة الشريفة، ودرر الشعر العربي؛ مزِّينة الجدران والأسقف.. هذا كلَّه بتقنية متقدِّمة لتخفيف الحرارة، كفرش الأرضيَّات برخام إيطالي فريد من نوعه مقاوم للحرارة، وتكييف مركزي يلطِّف الجو داخل الحرم ببرودة تنبعث من تحت أرضيَّاته لراحة المشاة في ساعات القيظ.. وشبكة تنقية لماء زمزم تزوَّد الحرمين الشريفين بشراب سائغ مبرَّد.

أمَّا المشاعر المقدَّسة في صعيد عرفات وسهل منى، فتبقى تلبية النداء استجابة للدعاء.. وبفضل حكم رشيد وملك أيَّده الله بنصره، فقد تطوَّرت لتوفر أداء طقوس الحج والإقامة والتنقُّل بينها وبين البيت الحرام.. ومع تبعات جائحة الكورونا على حياة الناس عامَّة، وتقييد حركة تنقُّلهم ولقاءاتهم، وفرض العمل عن بعد، فقد حافظت قيادتنا الرشيدة على تمكين المتعبِّدين من أداء الحج والعمرة والزيارة وفق ضوابط احترازيَّة لقيت ترحيبًا وموافقة من الجهات الصحيَّة والوقائيَّة التابعة لمنظمَّة الصحَّة العالميَّة.. وبهذا، تخطَّت المملكة حواجز الحجر الصحي ضمانًا لإبقاء أبواب الحرمين الشريفين مفتوحة للمصلِّين والمتعبِّدين على مدار السنة.. وفي هذا إبقاء لاستجابة مناجاة نبيِّنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ربَّه لتبقى الصلاة قائمة في رحاب الحرمين الشريفين، ومهوى الأفئدة إلى يوم الدين.