Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

رقاصــين

A A
يقترن الرقص في الحضارات المختلفة بالمناسبات الخاصة وغالباً ما تكون سعيدة.. ولذا فمن الصعب أن نتخيل أن يكون له علاقة بالأمراض الفردية أو الجماعية، ومن الغريب جداً أن نتخيل علاقته بالأوبئة. ولكن هناك حالة تستحق وقفات تأمل وإليكم بعضاً من تفاصيلها: نبدأ بتاريخ صراعات البشرية ضد الجراثيم الذي يذهلنا بتفاصيله وفي بعض الأحيان تكون أغرب من الخيال. وخصوصاً عندما تتحول من أمراض معدية على المستوى الجماعي، إلى أوبئة على المستويين الإقليمي والوطني، إلى جوائح على المستوى الدولي.

وعبر التاريخ عانت البشرية من موجات أوبئة مختلفة استمرت على مدى آلاف السنين وكان اسم "الطاعون" يطلق على تلك الأمراض الكاسحة بالرغم من اختلافاتها.. وفي سجل تاريخ أوربا نجد حالات غريبة وفي مقدمتها تفاصيل وباء غريب جداً.. في عام 1518 في مدينة "ستراسبورج" في النمسا أصيبت إحدى السيدات واسمها "فراو تروفيا" بحالة من الهلوسة حيث بدأت بالرقص في الساحة الرئيسة في وسط المدينة.. واستمر رقصها المتواصل لمدة ساعات إلى أن انهارت من التعب وتسبب ذلك في جروح بالغة في قدميها. وفي الأيام التالية استمرت حالة رقصها المستمر في مناطق مختلفة من المدينة... واشترك معها مئات من سكان ستراسبورج بالرقص المتواصل.. واستمر الوضع لفترة أسابيع فأصيب مئات من سكان المدينة النمساوية بداء الرقص وسقط عشرات القتلى بسبب ذلك الوباء. ومن الغرائب أن أقدام بعض من أصابهم المرض كانت تلطخ بالدماء بسبب احتكاكها بأحذيتهم، وظهر مصطلح "الأحذية الحمراء" على الضحايا نتيجة لذلك. ولاتزال أسباب ذلك الوباء غامضة إلى يومنا فبعض النظريات ذهبت إلى أن السبب كان تناول بعض أنواع الحبوب الملوثة بالفطر المسمم المسبب للهلوسة.

وكانت تلك الحبوب تزرع في مناطق يبدو أنها كانت تعاني من تلوث التربة أو مياه الري أو كليهما معاً. وللعلم فقد تسبب هذا التسمم بسم "الشقران" ergot poison في بعض الأحداث التاريخية المخجلة، وفي طليعتها اتهامات من تعرض لأضرار تلك السموم للهلوسة، ولم تتردد السلطات الحاكمة بالاتهامات ضد ضحايا التسمم بممارسة السحر والشعوذة نتجت عنها محاكمات هزلية أدت إلى التعذيب والحبس والإعدام حرقاً في أوربا وأمريكا، وكانت تلك الممارسات المشينة موجهة للسيدات الضعيفات، وبالذات لكبار السن، وأما انتشار تلك الحالة الهيستيرية فهو يستحق وقفة تأمل لأنه أيضاً من الحقائق التاريخية المخجلة.. أصل كلمة "هيستريا" هو كلمة الرحم باللغة اليونانية "هيسترا" hystera.. وهذا يعكس الاتجاه الفكري التاريخي المؤلم الذي كان يصبغ السيدات بصبغة عدم الاتزان الفكري لدرجة الهلوسة القابلة للانتشار.. يعني كان الاعتقاد أن "الجُنان" أصله عدم اتزان الرحم. وكان هذا الاتجاه سائداً إلى أن أثبت العالم الفرنسي "بريكيه" في القرن التاسع عشر أن الموضوع لا علاقة له بالرحم.. ثم في مطلع القرن العشرين جاءت دراسات العالم النمساوي "سيجموند فرويد" وأثبت أن الهيستريا ممكن أن تطبق على الرجال أيضا.. يعني لا علاقة لهذه الحالة العصبية بالرحم.

أمنيـة

عالم الأمراض المعدية والأوبئة والجوائح يحتوي على بعض من أغرب القصص الحزينة، وفي مقدمتها وباء الرقاصين والأحذية الحمراء المذكور أعلاه. أتمنى أن تنتهي المعاناة البشرية من أزمة جائحة الكورونا التي نعاني منها جميعاً اليوم.. والله أعلم فقد يسجل التاريخ غرائبها غير المتوقعة مستقبلاً، والتي لا يعلمها إلا الله.. وهو من وراء القصد.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X