تقوقعُ دولة احتلال أو دولة طامحة للنفوذ على شأنها الداخلي، وقصر نظرتها على نفسها، هذه مؤشرات على حتمية تفككها وزوالها قريبًا. تلك هي الحقيقة؛ فلو أن دولة احتلال كإسرائيل أو دولةً طامحةً للنفوذ كإيران جعلت همها منصبًّا على شأنها الداخلي -مع أهميته- ما كنا سنراها باقية حتى اليوم تنشر الإرهاب والفوضى في الدول (العربسلامية)، وما كنا سنراها تزرع الفتن والنزاعات فيها، وما كنا سنراها تفكك اللحمة الوطنية بين مكونات الدولة الواحدة من خلال زرعها خلاياها، وكل ذلك وفق منهجَيْ (فرِّق تَسُد) و(أشغِل خصمك قبل أن يُشغلك) اللذين هما المُحددان للسياسات الإسرائيلية والإيرانية. أسوق هذه المقدمة لأدلف إلى لب الموضوع ممثلاً في رسمة كاريكاتيرية عمرها (٣١) سنة نشرتها مجلة تسمى الشاهد سنة (١٩٩٠م) وأُعيد نشرها هذه الأيام من خلال وسائط التواصل فحظيت باهتمامات المتابعِين الذين أُعجبوا بفكرة الرسمة وبالنظرة الثاقبة للرسام الذي سبق زمانه فسلط الضوء على قضية ربما لم تكن في حسبان العرب عامة والمصريين والسودانيين خاصة، وهي قضية سد النهضة الذي أقامته أثيوبيا أخيرًا على النيل الأزرق الذي يشكل النسبة الكبرى من مياه النيل الذي يشكل بدوره شريان الحياة لمصر والسودان.

الرسمة تصوِّر حاخامًا يهوديًّا يقف على مجرى النيل الأزرق في أثيوبيا والنهر يمر من خلال صنبور منتصب على النهر والحاخام اليهودي يغلق الصنبور فلا يسمح لمياه النهر بالتدفق خلاله، وفي الطرف الآخر للنهر وتحديدًا عند القاهرة يظهر رجل مصري بطربوشه الأحمر وهو يفتح صنبور نهر النيل فلا يكاد ينزل منه إلا قطرة واحدة، مع وجود صنبور ثالث في السودان لا تنزل منه قطرة ماء واحدة وليس حوله أي سوداني يتعامل معه.

الرسمة لخصت ما يجري اليوم من شد وجذب على مياه النيل بسبب سد النهضة، لكنها ذهبت بعيدًا إلى أساس القضية وإلى مَن يرعى الفكرة (فكرة بناء السد) ولو في أدنى صور الرعاية، وهي تشير بوضوح إلى ضلوع إسرائيل في القضية، وليس بعيدًا أن يكون وراء ذلك مصالح ذاتية لإسرائيل بحيث تنال شيئًا من مياه النيل عن طريق سيناء مصر أو بأي وسيلة، أو تُرغم مصر -حال شح مياه النيل- على طلب الدعم المادي والتقني من إسرائيل لتعويض مياه النهر بمياه البحر المحلاة مع ما تتطلبه من تكلفة مادية باهظة.

إسرائيل لا تهرول عبثًا والقول إنها هي وحدها من يتبنى قضية السد قولٌ غير متقبَّل، في الوقت نفسه فإن نفي التهمة عنها كليًّا إنما هو من باب حجب شمس الحقيقة بغربال الوهم. وعطفًا على مطلع المقال فإن من مصلحة إسرائيل ألا تكتفي بقوَّتها ومنعتها وتنام ملء جفونها عن المخاطر التي تحيط بها، فحتى تضمن أمنها فلابد لها من إشغال جيرانها والمتربصين بها، ولابد لها من زرع الفتن بينهم، ولابد لها من الوقوف مع الدول غير (العربسلامية) ودعمها بالمال والخبرة والمشورة، ولعل سد النهضة من أوضح دلائل وقوف إسرائيل مع مصالحها أينما كانت.

إذا ما اتفقنا على أن لإسرائيل يدًا في سد النهضة سواء بالمشورة أو بالدعم الفني أو بالدعم المالي أو بالحماية، وإذا ما اتفقنا أن بدء المرحلة الثانية من ملء السد يعني تعطيش مصر والسودان وخنقهما، فأين تذهب إسرائيل من اتفاقية (كامب ديفيد) التي جاء في إحدى موادها «يتعهد كل طرف بالامتناع عن التنظيم أو التحريض أو الإثارة أو المساعدة أو الاشتراك في فعل من أفعال الحرب العدوانية أو النشاط الهدام أو أفعال العنف الموجهة ضد الطرف الآخر في أي مكان»؟ وهل سيثق العرب بعد اليوم في إسرائيل ومعاهداتها؟ وما موقف بعض العرب المهرولِين لإسرائيل طمعًا في أمانها ومكارمها؟ وهل سيأتي الحل في قضية السد عن طريق إسرائيل فتبرهن بذلك على نجاح خطتها وتؤكد للجميع أنها اللاعب الأول في المنطقة الذي ينبغي أن يصدر الآخرون عن رأيه؟.. وماذا سيقول أمير الشعراء (أحمد شوقي) لو علم أن حياض النيل التي قال عنها:

أَتَتِ الدهورُ عليكَ، مَهْدُكَ مُتْرَع

ٌوحِياضُكَ الشُّرقُ الشهيَّةُ دُفَّقُ

لربما لن تتدفق ذات يوم؟