اختلفت معايير كثير من أمور حياتنا، كذلك اختلفت معايير الاستطاعة، التي وضعها رب العالمين، كشرط أساس لمن أراد أداء فريضة الحج، فلم تعد القدرة المالية أو الجسدية هما معيارا الاستطاعة، بل القدرة الصحية، وسط جنون هذه الجائحة، ومواصلة قدرتها على الانتشار بين البشر.

كذلك تبدلت المعطيات الحضارية، وتغيرت المعالم حول الكعبة، وفي المشاعر، منى وعرفات ومزدلفة، وترسخت قدسية المكان، ومشاعر الروحانية، وأنت تطوف حول الكعبة المشرفة، تعود إلى لحظة الولادة الأولى، متجرداً من أعباء الحياة، شفيفاً رهيفاً، كطائر يحلق بجناحي الخوف والرجاء، في البقعة المقدسة.

كذلك تبدل مفهوم الجماعة كما تقول د/ سعاد الحكيم: « أوجد الإسلام مفهوم الأمة. والأمة هي الكيان الإنساني الضام لكافة المسلمين على تعدد أعراقهم وتنوع أقاليم سكناهم واختلاف أوضاعهم الاجتماعية»، وبقي بيت الله الحرام، أقدس بقاع الأرض، تهوي إليه الأفئدة، لكن معيار الصحة، الذي يعتبر هو معيار الاستطاعة في هذا الوضع الوبائي الخطير الذي يحاربه العالم، بالإجراءات الاحترازية، وباللقاحات، كي ينحسر وينتهي بلا رجعة، هو الذي يحتم على وطننا الحبيب، اتخاذ الإجراءات الكفيلة بعدم حدوث جائحة تنتشر بعد موسم الحج.

في حج العام الماضي 2020، وفي حج هذا العام 2021، أحدثت جائحة كورونا تغييراً جوهرياً في الأعداد التي كانت تتدفق من كل بقاع الأرض، حتى تتجاوز المليوني حاج، كانت إمكانيات استقبال الحجيج وتوديعهم وإدارة الحشود، والنجاح السنوي لمواسم الحج المتتالية، تبهر العالم من حولنا - العام الماضي لم يتجاوز عدد الحجاج 10 آلاف فقط، منهم من أصيبوا وتم شفاؤهم، لأن اللقاحات لم تكن أقرت وقتها، لكن هذا العام مع التوسع في إعطاء اللقاحات، زاد العدد ليصل إلى «60» ألفاً، مع ذلك بلغ عدد الجنسيات المشاركة في حج هذا العام «150» جنسية، من حجاج الداخل، حسب الإجراءات الاحترازية.

أيام قليلة؛ يتوجه فيها حجاج بيت الله الحرام إلى عرفات، على صعيد واحد، يتوحد الجميع قلباً وقالباً، وتتعلق القلوب المؤمنة المطمئنة باتجاه المكان، مكة وعرفات تحديداً، فالشوق مبرح لمن عايش تجربة الحج، واللهفة عاصفة بمن ينتظر قدومه لأداء هذه الفريضة، ورؤية بيت الله الحرام والمشاعر المقدسة، التي لم تزد عرضاً أو طولاً، لكنها نظمت هندسياً وفنياً بحيث تستوعب الزيادات المستقبلية في أعداد ضيوف الرحمن، يختلف الزمان وتختلف معطياته، ويبقى المكان ثابتاً، شاهداً، على عظمة هذا الدين الذي يقر بالوحدانية لإله واحد منذ الأزل وإلى الأبد.

هذا الإله رب العالمين الذي أرسل رسله تترى بتوحيد الله والانصياع له وأداء فرائضه التي بدأت بأذان سيدنا إبراهيم الخليل للناس بالحج ليأتوه رجالاً إلى موضع واحد ؛ مكة أم القرى ليشهدوا منافع لهم في أيام معدودات. بئر زمزم التي تفجرت تحت قدمي هاجر، ويتشوق المسلمون في بقاع الأرض لشرب مائها، والاستشفاء بها فقد قال صلى الله عليه وسلم: «زمزم لما شرب له»، لا يزال تاريخ بيت الله العتيق، وماء زمزم، يوشيهما سحر المعجزة الالهية والإنسانية؛ إبراهيم عليه السلام يترك زوجه وطفله في ذلك المكان القفر ويدير لهما الظهر ليمضي. تناديه: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا؟ يمضي دون أن يقول شيئاً، واليقين يملأ صدره بأن الله لن يخلف وعده. فتسأله وهي مدركة أن أمراً يمنع زوجها من الرد عليها: أمرك الله بهذا؟فيرد: نعم! فتقول: إذاً لن يضيعنا! هذا اليقين يسكن قلبها وهي لا تعلم أن سيدنا إبراهيم عليه السلام، كان يدعو ربه مشفقاً: «ربنا إني أسكنت من ذريتي بوادٍ غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون).. إبراهيم 37.