من نِعم العيد، أن كل من نحبهم في الحياة نراهم أو نتحدث معهم، وكل من رحل عنا وسبقنا للآخرة، يعود!، نعم يعود بمآثره ومواقفه، وحديثه العذب ووعده المتكرر والموعود! في صباح العيد، تنتشر الذكريات، ويعبق الحب كل ما في الوجود.. أسراب من الطيور تشاركنا الفرح، ولعثمات الصغار، وآنية من الوجد، وباقات من الزهور!.

أعرف أن في بعض بل غالبية البيوت، آباء رحلوا وأمهات لن تعود، وأشقاء في المغيب، وأزواج لا يطلون كالعادة في رسائل البريد، لكنه العيد يصافح اليتيم، ويصالح القريب والبعيد!.

أعرف كذلك، أنه يأتي هذا العام بكمٍّ هائل من الهموم، على كافة المستويات.. الصحية لدى البعض والمادية لدى البعض الآخر، والاجتماعية لدى البعض الثالث والرابع والخامس، والنفسية أو المزاجية لدى الجميع، ولكن ما حيلتنا وقد أراد الله أن يمتحننا ويمحص قلوبنا؟!

أعرف أيضاً أن طاقة البشر قد تضعف، وأن مقاومتهم للحزن والهم قد تفتر، والمهم في كل الأحوال ألا نيأس!.. من هنا كانت مهمة أو قيمة العيد!. استشعرْ الجمال والرضا والصبر في كل شيء حولك، استشعر تلك النفحة العلوية، التي تجعل اتصالك بالملأ الأعلى، وعندها ستدرك الحقيقة الكبرى في هذا الكون، حقيقة التسليم! اصبر الصبر الجميل، واصفح الصفح الجميل، بل واهجر الهجر الجميل.. عد الى قوله تعالى: «قال بل سوَّلت لكم أنفسكم أمراً، فصبر جميل، عسى الله أن يأتيني بهم جميعاً، إنه هو العليم الحكيم»، فإن تعرضت للإساءة أو تصورت ذلك، فتذكر قوله جل شأنه «وإن الساعة لآتية، فاصفح الصفح الجميل»، وان اضطررت للدخول في ميدان الهجر فاستمع لقوله جل شأنه «واصبر على ما يقولون، واهجرهم هجراً جميلاً»!.

أريد أن أقول إنك مطالب في العيد، مهما كانت دوافع الإحباط، أن تتمسك بالأمل، وتستشعر أي شيء جميل.. استشعر كل حدائق البهجة القديمة، فهي كفيلة بإحياء القلوب واستيقاظ الضمائر والنفوس!، ابحث في بقايا الذكريات.. حاول أن تجدد جمال الحياة.. ابحث عنها في لوحة أو في صورة، ابحث عنها في جمال الطفولة، وإذا ذهبت الى هناك.. الى مقابر الريف البعيد، فعد بما أوصوك به من أحلام الغد الآتي السعيد!، واذا لمحت أي طفل يتيم، فاحنُ عليه كالأم الرؤوم!.

أطفالاً كنا، نصطف أمام منصة الفرح التي يقيمها العم «زيدان» فاذا تكررت محاولاتنا الفاشلة للفوز بالرقم 95 أو 98 أو 100 ومن ثم الفوز بهدية، توجهنا لمنصة الخالة تمرهان!، وكان العم زيدان في كل مرة ندفع فيها قرشاً أو قرشين دون الفوز، يبتسم قائلاً: كل «بسكوت»، والحق أنه لم يكن بسكوتا أو بسكويتاً وإنما كسرة خبز أصابها العفن، نأكلها ونمضي على مضض!، نتذكرها الآن بطعم جميل ومختلف، نتذكره الآن بنكاته وقفشاته وتحليلاته الرياضية أحياناً فيبدو أمامنا وكأنه نجيب المستكاوي، والسياسية أخرى فيبدو وكأنه محمد حسنين هيكل، إنه طعم الاشتياق للجمال.

اجعل الحياة في هذا اليوم، أغنية جميلة، وأجمل الأشياء، وانثر ما استطعت من سير الأمهات والآباء.. انثر ما أمكنك رغم همومك الخاصة من ضياء ومن فرح ومن هناء!، لا تصافح! ولكن املأ كفك طوال اليوم بأطيار سعيدة، تغنَّى بصدق واحساس عن الأحضان الودودة..

اجعل الحياة حولك كحديقة أطفال، تورق الأمل في نفوس الأجيال!، فإن لم تخرج فابعث لمن خاصمتهم برقيةً، تحمل صفحاً وعاطفة أخوية وحنيناً يسطع في قلب الأمنية، وأحب الحياة!، شخصياً لن استطيع السفر لقضاء العيد، رغم حصولي على الجرعة الثانية، من اللقاح، سأتوق لأهلي وللورد الطالع ولكل أقاح! سأتحرق شوقاً لمدار البهجة والقلوب الصافية.. لماء الصفح الجميل الباقية والجارية.. لأشجار التوت وللساقية! سأتوق لأهلي لبيتنا القديم.. للفرن البلدي، ورائحة الفطير.. لرائحة الخير! أتوق لحفيدتي ذات الوجه القمري التي لم تسمع صوتي، ولحفيدي الفنان المندهش المبهور!، أشتاق لوجه أخي الصغير الذي يحبه الجميع حد الشغاف، لا لشيء سوى لأنه في الحق أو فيما يراه كذلك، لا يخاف! أتذكره حيث يثور، ويقفز من فوق السور، ويقسم أن الكلمة، لا تسقط على الأرض، وأن دوام القهر محض أساطير!، أتذكر وجه أخي الآخر الذي يتسربل في كل موقف بالتقى وبالنور.. يقسم طول النهار، أن الزبد سيذهب جفاءً وأن القيم وصلة الرحم ستصمد دوماً كما الصخور!، ما أقسى هذه الأيام التي حرمتني من أخي الفنان، زواد الغربة، وزاد الأعوام.. لم تخذله المساحيق ولا الألوان، وظل كما هو الإنسان.. سنديان بقلب طفل.. إنسان! في كل عيد أتذكر وجه أخي اللواء، الذي خدم الوطن، عفياً وقوياً ونقياً، وغادر الخدمة وجبهته في السماء!، الآن.. أراه وقد تحول الى سقاء يوزع اللبن ويعرف الجميع أنه السكن.. يبتعدون عنه قليلاً، ثم يؤوبون إليه.. لأنه الوطن!.