بدخولها عامها الثالث، ما تزال تبعات الكورونا الشرسة تشغل سكَّان كوكب الأرض كافَّة لما نتج عنها من اعتلال صحَّة ملايين من البشر، وفقدان نحو ثلاثة ملايين منهم حياتهم.. يُضاف إلى هذا، تباطؤ الاقتصاد العالمي ممَّا أدَّى إلى فقدان مَن لا حصر لهم أعمالهم لأكثر من سبب، كتوقف حركة السفر ووسائل النقل، وضرر المنتجعات السياحيَّة لعزوف الناس عن ارتيادها، وبسبب التباعد الاجتماعي، والانزواء في المنازل خوفًا من العدوى، أو القلق من نجاعة اللقاحات التي تعدَّدت مختبراتها، فزاد شجع المتاجرين بها.. وعن الكمامات التي تنتج بعشرات أضعاف الحريصين على تناول اللقاح وعلى تغطية الأنوف والأفواه، فحدِّث ولا حرج.

كلُّ هذا، تقبَّله المستهلكون دون الخوض في التكلفة الفعليَّة بعد أن ألزمتهم بها منظَّمة الصحَّة العالميَّة! وتناسى المجتمع العالمي كارثة الانحباس الحراري، وما سبَّبته من ارتفاع درجة حرارة الغلاف الجوِّي لكوكب الأرض وما تبع ذلك، ويتبع من تغييرات في المناخ، ومعاناة سكَّان المعمورة من ارتفاع درجات الحرارة سنة بعد سنة.. وقاربت في العديد من البلدان الخمسين درجة مئويَّة في الظلِّ، وفوق الستِّين تحت أشَّعة الشمس.. وعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد سجَّلت دولة الكويت هذه الأيام أعلى درجة حرارة في العالم، أذابت كلَّ ما تعرَّض لها من منتجات بلاستيكيَّة، والمستخدمة في صناعة السيَّارات وأعمدة الإضاءة في الطرق خاصَّة.. كما أضرَّت بالزراعة ومنتجات التربة.. كلُّ هذا بالرغم من تحذيرات علماء البيئة من كارثة الانحباس الحراري، وانعقاد مؤتمرات دوليَّه على مدى عشرات السنين الماضية لمعالجة مسبِّبات الانحباس الحراري، ورسم طرق التخلُّص منها، بدءًا بخفض نسبة ما تطلقه المصانع ووسائل النقل من غازات تنسب اليها إحداث ثقب في سقف الآزون المحيط بكوكب الأرض؛ الحجاب الواقي من حرارة الشمس.. وسجَّلت المؤتمرات مواقف سلبيَّة للعديد من البلدان الصناعيَّة ووسائل النقل البريَّة والمائيَّة والجويَّة التي تشغَّل بمنتجات البترول والغاز، تنبعث منها الغازات الضارَّة بالبيئة التي بدورها تسهم في رفع درجات الحرارة.

لكلِّ ما تقدم وسواه، قد يكون الظرف مواتيًا اليوم أكثر من أيِّ وقت مضى لإنقاذ كوكب الأرض من تداعيات الانحباس الحراري، وذلك بالدعوة لجلسات عمل بين خبراء البيئة وعلمائها ورجال الصناعة والمال، والعاملين في مجالات الطاقة ومنتجاتها، للتوصُّل إلى رسم خريطة ما يلزم لإنقاذ كوكب الأرض من فناء من وما عليه من مخلوقات.. قد تكون الدعوة للإصلاح متأخَّرًة، لكنَّها أجدى من التقاعس وانتظار فواجع المجهول.

ولكون المملكة دولة رائدة في مجال انتاج الطاقة وترشيد استهلاكها للصالح العام، فرعايتها لجلسات العمل المقترحة يمسي ضروريًا.. والدعوة لا شكَّ من منطلق فهم الآية الكريمة 73/74 من سورة (الزمَرُ): ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاؤُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاء فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾.