الحج رحلة إيمانية، محفوفة بالنور، موسومة بالاستجابة لنداء الله تعالى، ففيه تصغر ملذات الدنيا، وتتراءى الحياة من عدسة الحقيقة الصافية؛ حيث تتجرد روح المسلم من كل شيء، أملاً في رضا الله تعالى وعفوه ومغفرته، ورغبة في النعيم المقيم لجنات النعيم.

فمن بديع المشاهد أننا نرى المسلمين يأتون من كل أنحاء الدنيا، امتثالاً لقول الله تبارك وتعالى: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ... الآية } فهي رحلة غايتها ما ينتج عنها من منافع، ورحم الله الزمخشري حين قال : «نكَّر المنافع؛ لأنه أراد منافع مختصة بهذه العبادة؛ دينية ودنيوية، لا توجد في غيرها من العبادات، وكان أبو حنيفة رحمه الله يفاضل بين العبادات قبل أن يحج، فلما حجَّ فضَّل الحج على جميع العبادات لما شاهد من تلك الخصائص» والتعارف الذي كان بين الحجاج وأهل مكة من أوثق ما شوهد من منافع الحج الاجتماعية؛ فالحج اجتماع وتعارف وتآلف ينتهي أحياناً إلى إيجاد رابطة رحم، ومصاهرة بين الحجاج والمكيين، فإما أن يتزوج الحاج من أسرة مكية، وإما أن يزوّج موليته لأحد أبناء مكة، وصدق الله إذ يقول: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}.

ومن المنافع ما كان يتم من صفقات تجارية بين الحجاج وأهل مكة، فالحج موسم تجارة وحصاد عالمي، حيث المكان الذي تجبى إليه ثمرات كل شيء، وتجتمع فيه خيرات الأرض مشرقاً ومغرباً، فيتبادل الحجيج فيه منافع التجارة ويعقدون الصفقات المربحة. ولقد عرفت العرب الحج قبل بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فلما بُعِثَ وأبلغ المسلمين بفريضة الحج وفق شريعة الله تحرّجوا مما كانوا يزاولونه في هذا الموسم من أمور التجارة، ورغبوا أن يكون موسماً خالصاً للذكر والدعاء، فجاء القرآن ليرفع ذلك الحرج الكامن في نفوسهم من كل ما هو موروث جاهلي، فقال تعالى: {ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم}.

ومن منافع الحج ما كان يحصل من بعض العلماء الذين كانوا يجاورون البيت، ويندبون أنفسهم للتعليم والتدريس، حتى نتج عن ذلك إنشاء مدارس امتد أثرها، خرّجت أجيالاً من العلماء الراسخين الذين أثّروا بعلمهم في أقطار العالم الإسلامي كله، وكان بعضها نواة للتعليم الحديث في مكة المكرمة، وهذا وجه من وجوه شهود المنافع الذي بينه الله { لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ}.

لكل هذا كانت رحلة الحج زاخرة بالعديد من المنافع الإيمانية والهبات الربانية، سواء كانت دينية أو دنيوية، يشهد الحجاج فيها منافعهم ويذكرون اسم الله تكبيراً وتعظيماً، عائدين إلى أهليهم غانمين بالمغفرة والرحمة والرضوان.