أواصل الحديث عن نمو الطفل وعلاقته بمنهج الحضانة وروضة الأطفال، وسأتحدث في هذه الحلقة عن خطوات النمو الاجتماعي التي يمر بها الطفل بعد سن الثانية من عمره، وهي كالتالي:

1. الانعزالية في لعبه؛ إذ يلعب وحده منعزلاً عن غيره من الأطفال دون أن يحتفظ بهم بل يظل منعزلاً عنهم. ثُمَّ ينمو اجتماعياً أكثر من هذا فيجتمع مع غيره من الأطفال في لعبة ولكنه يظلَّ منفردًا في لعبه، وقبيل نهاية هذه المرحلة (مرحلة ما قبل المدرسة يلعب الطفل مع غيره من الأطفال في جماعة صغيرة تكون من 3-4 أفراد تحت قائد أو زعيم منهم، وتنتقل الزعامة من طفل إلى آخر مع مشاجرة أو نزاع، ولكن الجماعة لا تدوم طويلًا بل تنتهي لأتفه الأسباب، ويلعب الأطفال الذكور مع الأطفال الإناث دون تمييز لجنسيهما في الغالب، ولا يجد الواحد منهم أي عيب أو غضاضة، وتكون للأولاد والبنات نفس الميول، وتكون الصداقة بين الأطفال عموماً في هذه المرحلة من العمر غير ثابتة أي سهلة الانقطاع. والطفل في هذه المرحلة من العمر يميل إلى التركيز نحو ذاته حتى أن تصبح ذاته مركز علاقاته بغيره، ومركز استطلاعه فيما حوله.

2. التخيل وعلاقته بمنهج الحضانة وروضة الأطفال، ففي هذه المرحلة من العمر يشغل التخيل جانبًا كبيراً من نشاط الطفل العقلي، ويصعب على الطفل في سن الثالثة أو الرابعة أن يميز بين التخيل والواقع، والتخيل في هذه المرحلة من العمر لا قيود له؛ إذ يمزج الطفل ما مر به من خبرات وينظمه بحيث يصبح مركباً خاصاً يتخطى به حدود الزمان والمكان ليستمتع بما يمنع عنه في واقع الحياة، وليعبر عن انفعالاته، وليتغلب على المخاوف. ومن هذا المركب الخيالي المستمد من مدركات الطفل الحسية يخلق الطفل لنفسه جوًا وهميًا يشبع فيه رغباته المكبوتة أو رغباته التي لم تشبع في عالم الواقع، إنَّه يسبح بخياله في عالم يخلقه لنفسه. ومن هذا نجد أنَّ الطفل في هذه المرحلة يكثر من اللعب بكثير من اللعب الإيهامي، ويتخذ ممَّا يجده أمامه وسيلة تتمشى مع تخيله في لعبه هذا، فالعصا تصبح حصانًا، الخيط الذي يربطه بها يصبح لجامًا، ويجري الحصان ويقفز، ويقف ويسير. ويتخيل الطفل نفسه مدرّسًا، أو أحد الباعة الجائلين، أو غير ذلك، ويصبح ما يجده أمامه وسائل تساعده على هذا التخيَّل، والبنت الصغيرة قد تناجي الدمية، وتشكو لها، أو تثور عليها وتضربها، كما لو كانت تتعامل مع شخص آخر. ويرتبط بهذا التخيل أيضًا ميل الطفل ميلاً كبيراً إلى القصص الخيالية والواقعية. ويكون لهذا التخيل دور هام في حياة الطفل الاجتماعية؛ إذ يهيئ له فرصاً في لعبه الإيهامي للتدريب على التحدث، وعلى القيام بدور القيادة أو التبعية، كما يهيئ له في ذلك فرصاً يقوم فيها بتمثيل أدوار مختلفة في حياة الأسرة أو في حياة المجتمع المحلى.

من هنا نجد أنَّ المنهج الدراسي ينبغي أن يُراعي نمو التخيل، وذلك باتباع الآتي:

1- أن يتيح هذا المنهج أمام الطفل فرصًا كثيرة للقيام بألعاب متنوعة تلاحظها المعلمة، وتجمع منها معلومات تدخل ضمن ما يساعدها على الكشف عن ميول الطفل، وما لديه من أفكار وخبرات فيسهل توجيهه في نشاطه وتعليمه اللازميْن لنموه.

2- أن يتخذ المنهج من التمثيل مجالاً لتدريب الأطفال على التحدث، وعلى ما يستطيعونه من العادات المرغوب فيها، وما يناسبهم من أساليب الحياة واتجاهاتها السليمة. وليس من الضروري أن تعد مناظر وأدوات لهذا التمثيل، بل نعتمد في ذلك على تخيل الطفل نفسه مع توجيه مناسب بسيط.

3- أن يراعى في القصص الخيالية التي نقدمها للأطفال أن تشتق معظم عناصرها من مشاهداتهم في العالم الذي يعيشون فيه، وأن تكون قصصاً تهدف إلى مدهم بمعرفة مناسبة عن الظواهر والأشياء التي يمرون بها، فيجعلهم ميلهم إلى القصة يقبلون على هذه المعرفة، وكثيرًا ما يستفسرون بأسئلة نجيب عنها، ونحاول في ذلك أن نجعلهم يميزون بين الواقع والخيال. كل هذا ينمي ملكة التخيل لدى الطفل، وهذه الملكة هي التي يتفجر منها الابتكار والاختراع، فتخرج لنا الاختراعات والمبتكرات العلمية التي نشهدها على مدار العصور والأزمان.