رصد موقع «دارة الملك عبدالعزيز» وهو أحد المواقع المتخصصة في التاريخ والتراث الإسلامي، توقف شعائر الحج أكثر من 40 مرة عبر التاريخ نتيجة لأسباب متعددة منها تفشي الأوبئة، وكوارث طبيعية، وكساد اقتصادي وغلاء معيشة، وعدم استتباب الأمن بسبب تكاثر اللصوص، وقطاع الطرق.

أوضحت أن أول مرة تعطل فيها الحج كان عام 930 ميلادية ويقول الذهبى في كتابه «تاريخ الإسلام»، وتحديدًا في مجلد (23)، صفحة (374)، إنه في أحداث سنة 316 هجرية «لم يحج أحد في هذه السنة خوفا من القرامطة»، لأن القرامطة كانوا يعتقدون بأن شعائر الحج، من شعائر الجاهلية ومن قبيل عبادة الأصنام،وفي هذا التوقيت، وقف أبو طاهر القرمطي، منشدًا على باب الكعبة يوم الثامن من ذي الحجة سنة 317 هجرية، داعيًا سيوف أتباعه أن تحصد حجاج بيت الله قتلاً ونهبًا وسفكًا، في الوقت الذي كان يشرف هو بنفسه على هذه المجزرة المروِّعة وينادي أصحابه «أجهزوا على الكفار وعبدة الأحجار، ودكوا أركان الكعبة، وخلعوا الحجر الأسود».

ويومها تعلق الحجاج بأستار الكعبة واستغاثوا بالله، فاختطفتهم سيوف هذا الطاغية من كل جانب، واختلطت دماؤهم الطاهرة وأجسادهم المحرمة، بأستار الكعبة، حتى زاد عدد من قتل في هذه المجزرة عن 30 ألفا، دفنوا في مواضعهم بلا غسل ولا كفن ولا صلاة.

كما قام القرامطة بجمع 3 آلاف جثة حاج وطمروا بها بئر زمزم وردموه بالكلية، ثم قاموا بعد ذلك بقلع الحجر الأسود من مكانه وحملوه معهم إلى مدينة «هجر» بالبحرين، حيث كانت مركز دعوتهم وعاصمة دولتهم، وكان أبو طاهر قد بنى بها دارا سماها دار الهجرة، فوضع فيها الحجر الأسود ليتعطل الحج إلى الكعبة ويرتحل الناس إلى مدينة «هجر»، وقد تعطل الحج في هذه السنوات (يقال إنها 10 سنوات)، حيث لم يقف أحد بعرفة ولم تؤد المناسك، وذلك لأول مرة، منذ أن فرضت الشعيرة.

الفتن الداخلية

ذكر الإمام الذهبي في تاريخه، أن في سنة 392، ثارت العامة ببغداد على النصارى، فنهبوا البيعة وأحرقوها، فسقطت على جماعة من المسلمين، فهلكوا، وعظمت الفتنة ببغداد، وانتشر الدعار، وبطل الحج من العراق في هذه السنة.

كما يذكر الحافظ ابن عساكر: «ولي على دمشق سعد الأعسر في سنة اثنتين وسبعين ومائتين، وكان سعد الأعسر قد فتح طريق الشام للحاج؛ لأن الأعراب كانوا قد تغلبوا على الطريق قبل ولاية سعد، وكان قد بطل الحج من طريق الشام ثلاث سنين، فخرج سعد إلى الأعراب وواقعهم، وقتل منهم خلقًا عظيمًا وفتح الطريق للحاج».

الطاعون

الحادث الثاني، يذكره ابن كثير في «البداية والنهاية»، ويرجعه لسنة 357 هجرية، ويقول: إن داء الماشري (الطاعون) انتشر في مكة، فمات به خلق كثير، وفيها ماتت جمال الحجيج في الطريق من العطش ولم يصل منهم إلى مكة إلا القليل، بل مات أكثر من وصل منهم بعد الحج.

وفي سنة 390 هجرية انقطع الحاج المصري في عهد العزيز بالله الفاطمي لشدة الغلاء، وفي سنة 419 هجرية لم يحج أحد من أهل المشرق ولا من أهل مصر، وفي سنة 421 هجرية تعطل الحج أيضا سوى شرذمة من أهل العراق ركبوا من جمال البادية من الأعراب ففازوا بالحج، وفي سنة 430 لم يحج أحد من العراق وخراسان، ولا من أهل الشام ولا مصر.

ويذكر موقع «دارة الملك عبد العزيز» وفي أحداث سنة 492 هجرية حل بالمسلمين ارتباك وفقدان للأمن في أنحاء دولتهم الكبيرة بسبب النزاع المستشري بين ملوكهم، وقبل سقوط القدس في يد الصليبيين بخمس سنوات فقط لم يحج أحد لاختلاف السلاطين.

أما في أحداث سنة 563 هجرية، فلم يحج المصريون لما فيه ملكهم من الويل والاشتغال بحرب أسد الدين، وبعد ذلك لم يحج أحد من سائر الأقطار ما عدا الحجاز من سنة 654 إلى سنة 658 هجرية.

الأمراض المعدية

وعبر التاريخ، تفشت الأمراض المعدية بين الحجاج، ولم تكن في العصر القديم هناك خدمات لمراقبة ومتابعة أمراض الحجاج الذين يأتون من كل فج عميق، ولم تفرض السلطات حجراً صحياً على من يشتبه أنهم يحملون أمراضاً معدية، ولم تتوفر أي خدمات للتعقيم، فحصدت الأوبئة أعداداً كبيرة من الحجاج. وقدمت الدراسة سرداً لفترات توقف الحج وأسبابها، مشيرة إلى أن العام 251 هجرية شهد توقف الحج بعد مذبحة على صعيد عرفة، حيث هاجم إسماعيل بن يوسف العلوي هو ومن معه جموع الحجاج، فقتلوا منهم أعداداً كبيرة، وفي عام 317 هجرية قتل القرامطة 33 ألف حاج واقتلعوا الحجر الأسود وأبقوه عندهم 22 عاماً، وعام 372 هجرية لم يحج أحد من العراق حتى 380 هجرية بسبب الفتن والخلافات بين خلفاء بني العباس وخلفاء مصر العبيديين، كما شهد العام 428 هجرية غياب حجاح العراق، وحج الناس من مصر وغيرها.

وتوقف الحج لأهل بغداد خلال الفترة من 640-650 هجرية في توقف دام 10 سنوات إثر موت الخليفة المستنصر، كما شهد العام 655 هجرية غياب حجاج أهل الحجاز، ولم ترفع راية من رايات الملوك لأحد بمكة. أما في عام 1229 هجرية، فتوقف الحج نتيجة موت 8 آلاف شخص في بلاد الحجاز بسبب الطاعون، كما تفشى وباء عام 1246 هجرية يعتقد أنه قادم من الهند ومات بسببه ثلاثة أرباع الحجاج، وخلال الفترة من 1253 هجرية شهدت مواسم الحج تفشياً للأوبئة حتى 1256 هجرية، وفي 1261 هجرية تفشى وباء الكوليرا بين الحجاج وظل حاضراً في مواسم الحج حتى 1265 هجرية، ثم عاد في 1280 هجرية و1298 هجرية.

الحج موسم الأمن والأمان في العهد السعودي

اصبح الحج موسما للأمن والأمان والخيرات مع بداية العهد السعودي، ويقول شكيب أرسلان أمير البيان الذي حج في عام 1348 هـ، إنه ما أن تأسست الدولة السعودية ودخل الملك عبدالعزيز «رحمه الله» مكة المكرمة، والذي كان همه الأول بسط الأمن وتأمين طرق الحجاج، حتى عم الأمن والأمان ربوع المملكة العربية السعوية لا سيما منطقة مكة المكرمة والمدينة المنورة وأضاف: «لو لم يكن من مآثر الحكم السعودي سوى هذه الأمنة الشاملة الوارفة الظلال على الأرواح والأموال التي جعلت صحاري الحجاز وفيافي نجد، آمن من شوارع الحواضر الأوروبية، لكان ذلك كافياً في استجلاب القلوب واستنطاق الألسن في الثناء عليه».

وأكد أرسلان: «كانت قوافل الحجاج من جدة إلى مكة المكرمة خيطاً غير منقطع والجمال تتهادى تحت الشقادف، وكثيراً ما تضيق بها السبيل على رحبها، وكان الملك - أيده الله - من شدة إشفاقه على الحاج وعلى الرعية لا يرفع نظره دقيقة عن القوافل والسوابل ولا يفتأ ينبه سائق سيارته بعدم العجلة، وكل هذا لشدة خوفه أن تمس سيارته شقدفاً أو تؤذي جملاً أو جمالاً، وهكذا شأن الراعي البر الرؤوف برعيته، الذي وجد انه معمور بمعرفة واجباته.

المازني يروي مشاعر الأمن في (رحلة إلى الحجاز)

وفي كتابه (رحلة إلى الحجاز) يروي الأديب إبراهيم المازني حوادث ذات دلالة على استبباب الأمن وإقراره على يد الملك عبدالعزيز فيقول: «والطريق إلى مكة طريقان ؛ واحد للسيارات والآخر للجمال والمشاة، وكانت الجمال تسير في قوافل، وهي تحمل بضائع شتى في الصناديق والأكياس والغرائر، وليس معها سوى طفل واحد هو كل حرس هذه القافلة». ثم يروي بعدها بأسلوبه الرشيق كيف فقد عصاه في الطريق من جدة إلى مكة، وبينما هم يستريحون في الشميسي، فوجئ بمسؤول الشرطة يسأل عما إذا كان لأحد من الوفد عصا، فأجابه المازني أنه صاحبها، فقال له لقد وجدت عصا في الطريق قرب الرغامة فقطعت على الناس السبيل حتى يجدوا صاحبها.

ويعلق المازني على ذلك «سأتذكر دائماً بأن عصاي قطعت الطريق بين جدة ومكة ساعة كاملة لا تنقص دقيقة، بل ولا ثانية، وردت الناس من الجانبين ووقفتهم صفين من الناحيتين، متقابلين على أقدامهم، إلا من شاء أن يضرب في طريق آخر».

الذاهب للحج مفقود.. حكايات ما قبل العهد السعودي

كان الحجاج قبل العهد السعودي لا يمشون إلا في جماعة لسوء أحوال الأمن واضطرابه، وعندما كان الرجل ينوي الحج كان أقرباؤه وأصدقاؤه يودعونه وداع الفراق، وكانوا يقولون «الذاهب للحج مفقود والعائد منه مولود»، فالحاج تجتمع عليه المخاطر وتتناوشه من كل جانب، سواء كان قطاع الطرق أو الكوارث الطبيعية مثل السيول والأمطار أو شح المياه أو الحيوانات المفترسة التي تقابله في رحلته، وفوق كل ذلك الإتاوات التي تدفعها القوافل للسماح لهم بالمرور.ويؤكد محمد طاهر الكردي في كتابه «التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم»، اشتعال عدد من الفتن والقتال داخل حدود الحرم خلال موسم الحج، مشيرا إلى أنه و في شهر الحج من عام 1326 هـ اشتعلت فتنة بين الصفا و باب الوداع، وترامى الطرفان بالرصاص، مما نتج عنها قتل عدة أنفار من العسكر والمدنيين. ويعزز إبراهيم رفعت صاحب كتاب «مرآة الحرمين» ما ذهب إليه محمد طاهر الكردي عن أحوال الأمن في مكة المكرمة في مطلع القرن العشرين الميلادي، مؤكدا أن من كان يريد زيارة جبل النور، وهو جبل قريب من المسجد الحرام يوجد به غار حراء، أن يحمل معه الماء الكافي، وأن يكون الحجاج على شكل جماعات يحملون السلاح حتى يدافعوا عن أنفسهم من اللصوص الذين يتربصون بهم لسلب أمتعتهم.

و يقول إبراهيم رفعت أيضاً إن سلطات ذلك الزمان التابعة للدولة العثمانية كانت تقف موقف المتفرج من هذه الفوضى وإيذاء الناس والحجاج حتى إنه حدث قتال في مكة ليلة وصلنا من منى إلى مكة بين الأعراب أمام ديوان الحكومة دون أن يبالوا بها، وقد قتل في تلك المعركة ثمانية أشخاص.

ولم تكن مخاطر الحج وقفاً على اللصوص وقطاع الطرق فحسب، بل كانت الطرق التي يسلكها الحجاج محفوفة بخطر السيول والأمطار، سواء من داخل الجزيرة العربية أو خارجها، حتى إن بعض حجاج الكويت يفضلون السفر بحراً، لانعدام الأمن في الطرق البرية في الجزيرة العربية، ورغم ما في السفر عن طريق البحر من مشقة، حتى إنهم كانوا يسافرون إلى بومبي ومنها إلى جدة مروراً بالبحرين ودبي وبندر عباس ومسقط وكراتشي، ثم تبحر السفينة من بومبي إلى عمان ثم المكلا وعدن وبربرة حتى تصل إلى جدة، وكانوا يتجشمون هذه المشقة ولمدة حوالى الشهر تجنباً لمخاطر السفر بالبر.