تشكل الجبال قيمة تاريخية ، وهوية جغرافية ، وعراقة تلامس قدسية مكة المكرمة ومكانتها الدينية منذ القدم ، وما زالت شامخة حتى الوقت الحاضر ، حاملة قصة مكان لهذه المدينة التي لها من الذكريات وقفة ، ومن المخزون الإثرائي وجود يستشعره كل مسلم عندما يمعن النظر في شموخ هذه الجبال التي دون الشعاب طرقها وفجاجها.

وتبقى مقولة "أهل مكة أدرى بشعابها" يتداولها الكثيرون على مر الأزمنة ،التي يعود سببها .. إلى أن الناس القادمين إلى مكة بقصد التوجه إلى الكعبة يتوهون في جبال مكة وشعابها ، وذلك بسبب كثرة عددها ، وتشابه تضاريسها ، ويعدّون سكان مكة فقط هم من يعرفون الجبال المحيطة بمكة المكرمة وشعابها.

وقد شهدت هذه الجبال العديد من الأحداث التي من شأنها رفع أهمية هذه الجبال واستحضار مكانتها الدينية في قلب مكة المكرمة ، حيث يتكئ جبل "أبي قبيس" على إرثٍ ومخزون تاريخٍ عريق بصفته أحد الأخشبين في مكة المكرمة إلى جانب جبل "قعيقعان"إذْ يقع إلى الجهة الشرقية للمسجد الحرام ، ويبلغ ارتفاعه 420 متراً ، وسمي بذلك لأن رجلاً يقال له أبو قبيس أول من قام بالبناء عليه ، ويعرف جبل أبو قبيس بأنه أول جبل نصب ووضعه الله على وجه الأرض ، ثم مدت منه الجبال ويسمى أيضا الجبل الأمين ، بسبب احتفاظه بأمر من الله بالحجر الأسود ، في عام طوفان نوح عليه السلام ، فلما بنى إبراهيم الخليل البيت نادى أبو قبيس أن الركن مني بموضع كذا وكذا ، وقيل: أتى به جبريل من الجبل وسلّمه إلى إبراهيم ؛ وسمي بأبي قبيس لأن الحجر الأسود اقتبس منه.

ويمتاز جبل أبي قبيس عن بقية الجبال ، بأنه يشرف على الكعبة ، بل إن الربوة التي بنيت عليها الكعبة تتصل بأصل الجبل ، وأصل الصفا الذي يبدأ السعي منه يقع في أسفل أبي قبيس في مقابلة ركن الحجر الأسود ، كما تنسب له معجزة انشقاق القمر التي حدثت عليه ، زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ، إلى جانب أن تاريخ هذا الجبل، وثباته ، وشموخه ، وذكره في الحديث النبوي ، يرسخ حبّه ومكانته لدى المسلمين قاطبة ، وأهالي مكة على وجه الخصوص.



ويمثل جبل "قيقعان" أحد أشهر جبال مكة المكرمة ، الذي يوجد في الجهة الغربية منها ، ويبلغ ارتفاعه 430 متراً ويعرف حاليا باسم "جبل هندي" ، وأطلق على الجبل قيقعان نسبة إلى تقعقع الأسلحة به خلال الحرب بين جرهم وقطور، وهو عبارة عن سلسلة من الجبال ، ما بين قمة وادي إبراهيم شرقاً ووادي طوى غرباً ، ويقع هذا الجبل في منطقة تسمى "حارة الباب" ، ويطلق عليه جبل مقلع الكعبة ، وذلك بسبب أنّ الحجارة المستخدمة في بناء الكعبة أخذت منه ، وذلك عندما أُعيد بناء الكعبة، بسبب أنّ السيل هدم جدارها في العهد العثماني الأول عام 1039 للهجرة.

في حين تشتهر مكة المكرمة أيضاً بوجود جبل ثور ، الذي يبلغ ارتفاع قمته 728 متراً ، ويمتد من الشمال إلى الجنوب على مسافة 4123 متراً ، ومن الشرق إلى الغرب على مسافة 4000 متر تقريباً ، كما يقع غار ثور على بعد نحو 4 كلم عن مكة المكرمة في الجهة الجنوبية من المسجد الحرام ، وارتفاعه نحو 748 متراً من سطح البحر ، وهو عبارة عن صخرة مجوفة يصل ارتفاعها إلى 25.1 متر ، وله فتحتان ، فتحة في جهة الغرب وهي التي دخل منها النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه ، وفتحة من جهة الشرق ، وجبل خندمة ، الذي يقع في الجهة الجنوبية الشرقية من الحرم المكي ، وجبل السيدة ، ويقع شمال شرق المسجد الحرام في الحجون ، وتوجد في أسفله مقبرة المعالة ،التي تضم قبر السيدة خديجة بنت خويلد زوجة الرسول صلى الله عليه وسلم.

كما تحتضن جنبات مكة المكرمة جبل العبادي الذي يعد أحد الجبال الشاهقة المرتفعة ، وكان في الجاهلية يسمى بالجبل الأحمر، وجبل الرحمة في مشعر عرفات ، ويبعد عن مكة المكرمة حوالي 22 كيلو متراً ، وجبل عمر بالقرب من المسجد الحرام ، ويتكون حالياً من مجموعة من الأبراج السكنية التي بُنِيَت تزامناً مع تطوير مكة الأخير، وجبل كبكب ، وهو الجبل الذي جاء ذكره في شعر امرئ القيس ، وغيره من شعراء الجاهلية ، وجبل النور الذي يبلغ ارتفاعه 642 متراً ، شمال شرق المسجد الحرام .