Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

نِــكلة

A A
عنوان المقال مشتق من عنصر النيكل، ويشير إلى القيمة المالية الضئيلة بسبب ارتباط المعدن «بالتفاريق» الصغيرة.. في مصر الشقيقة كانت الأربع مائة نكلة تعادل الجنيه الواحد أيام زمان.. وفي أمريكا وكندا العشرون «نيكلاً» تعادل الدولار الواحد.. وقد تعرّض هذا المعدن لبعض من الظلم منذ اكتشافه في عام 1751.. أطلق عليه هذا الاسم لأنه كان من المعادن غير المرغوبة التي كانت تنتج خلال تعدين معدن النحاس الثمين في شمال أوربا.. وكلمة «نيكل» جذورها من اللغة الألمانية «كوبر نيكل» kupfernickel وأساسها «الشيطنة».. يعني بدأ في عالمنا بداية صعبة كمعدن «نحاس الشيطان» ثم أصبح مقروناً بالقيمة المالية الضئيلة. ولكن مع مرور الزمن، تم اكتشاف تطبيقات مفيدة جداً للعديد من الأسباب ومنها القوة، ودرجة الانصهار العالية، والمقاومة للأكسدة، وجميعها كانت خصائص تأهيل ليصبح من أكثر المعادن المستخدمة في النقود المعدنية.. ولكن الموضوع كان أكبر من ذلك بكثير.. النيكل هو أحد المعادن القليلة التي يجذبها المغناطيس بالإضافة إلى الحديد والكوبالت ولذا فيستخدم في المواطير بكثرة.. وذرات هذا العنصر تشكل طبقة حامية بمشيئة الله مع المعادن الأخرى لتنتج عنها بعض من أفضل المواد.. وعلى سبيل المثال فخلطة النيكل مع الحديد تنتج أحد أقوى أنواع الحديد الصلب. وأما أحد أنواع الخلطات الأغرب من الخيال فهي مع عنصر التيتانيوم واسمها «نيتانول» وتتمتع «بذاكرة» عجيبة.. عند صناعتها وتكوينها عند درجة حرارة «تتذكر» هذا الشكل، وتعود إليه حتى لو تعرضت لإجهادات تغير من شكلها على درجات حرارة أقل.. تخيل مادة معدنية تتمتع «بذاكرة».. ولهذه المادة تطبيقات رائعة ومنها على سبيل المثال في العمليات الجراحية «لسباكة» الأوعية المختلفة بداخلنا من خلال تركيب دعامات لتسليك مسارات السوائل.. يعني ستجد أساس «النكلة» في أحدث غرف العمليات في العالم.. وهناك المزيد.. أحد الاستخدامات غير المتوقعة للنيكل هو دوره كمسرِّع في صناعة السمن النباتي الذي يخضع للهدرجة. والمقصود هنا هو إضافة الهيدروجين لرفع كثافته، وقابليته للدهن وكأنه زبدة.. تخيل عدد المرات التي تستخدم فيها السمن النباتي اليوم ودور النيكل في تصنيعه.. وهناك المزيد.. فخلطات هذا العنصر تقاوم التآكل وتغيرات التمدد والانكماش، وهذه من الخصائص المرغوبة في حماية المكائن الدقيقة بأحجامها ومهامها المختلفة، ولذا فهو من أهم مكونات حمايتها بشكل عام.. وهناك مجموعة منها تستحق وقفة تأمل خاصة وهي محركات الطائرات. خلال السبعين سنة الماضية، ومع تطور النفاثات، ارتفعت درجات حرارة مكوناتها الداخلية بمستويات تفوق التخيل فهي تجعل الأفران المنزلية تبدو وكأنها «فريزر».. وعلى سبيل المثال فحرارة الفرن في مطبخي تصل إلى حوالي 260 درجة مئوية كحد أقصى.. وأما في محرك «الرولز رويس ترنت» الذي يدفع طائرة البوينج 777 الحديثة فتصل درجة الحرارة بداخله إلى حوالي 1750 درجة مئوية.. ومن الغرائب أن الهواء المستخدم لتبريد ذلك الجزء الحار جداً من المحرك تصل حرارته إلى ست مائة درجة مئوية.. يعني الهواء «البارد» تبلغ حرارته أعلى من ضعف أقصى حرارة الفرن في منزلي.. ولا يمكن الاستغناء عن النيكل في صناعة تلك الأجزاء.. وهناك المزيد، فالعنصر يتميز أيضاً بقدراته على تخزين الطاقة، ولذا فهو من الخيارات الأولى في صناعة البطاريات بأشكالها وأنواعها وأحجامها المختلفة.. من السيارات الكهربائية والهجينة، إلى الطائرات، والهواتف المحمولة، والحواسيب، وغيرها.

أمنيــــة..

سبحان الله أن بعض المعادن غيرت حياتنا بطرق أغرب من الخيال، ولكن بعض من المصطلحات القديمة ظلمت النيكل ولم تتنبأ إلى دوره التقني الرائد. أتمنى أن ندرك هذه التغيرات في عالمنا المتغير إلى الأفضل بمشيئة الله. وهو من وراء القصد.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X