ردود أفعال بعض الدول والجماعات ووسائل إعلامهم المؤدلجة، على ما يحدث اليوم في تونس، يعيد للأذهان، ما حدث في مصر في يوليو 2013م، عندما صنفوا ثورة المصريين على حكم الإخوان، انقلاباً عسكرياً، وكأنهم أصيبوا بالعمى فلم يشاهدوا ملايين المصريين «30مليون مصري»، يملؤون الشوارع، يطالبون عبد الفتاح السيسي تخليصهم من حكم الإخوان. يتكرر اليوم نفس السيناريو على القرارات الحازمة التي اتخذها الرئيس التونسي قيس بن سعيد، لوقف الممارسات التي انتهجها الإخوان في السلطة التشريعية والتنفيذية، فقد بدأت الأبواق الإعلامية بوصف قرارات إنقاذ تونس انقلاباً!.

منذ تمكن حزب النهضة من السلطة التشريعية، سعى سعياً حثيثاً لضم السلطة التنفيذية، بسحب الثقة عن الحكومة التي لا يمكنه بسط نفوذه عليها، رغم لعبة الديموقراطية إلا أن وصولهم ليس نتيجة لها، بل نتيجة أساليبهم ووسائلهم التي وصلوا بها إلى السلطة في مصر، وفي غيرها من الدول التي تعاني من الفوضى والاضطرابات نتيجة الممارسات السياسية الخاطئة كما حدث في تونس، إلى أن انتفض الشعب واستجاب الرئيس قيس بن سعيد، ومع ذلك صنفت قراراته انقلاباً على الديموقراطية، مع أنها تصحيح للديموقراطية المختطفة والمشوهة التي يمارسها الإخوان!.

خرج الشعب التونسي تغمره الفرحة بعد قرارات الرئيس قيس بن سعيد لكف مهزلة الإخوان وعبثهم بأمن واستقرار وصحة الشعب التونسي، مع ذلك يعاد نفس سيناريو الرفض ضد إرادة الشعوب التي ثارت ضد الإخوان!.

عبث فصيل له أهداف بعيدة المدى يعمل بالتضافر مع جهات خارجية، وبتمويل ودعم الأحزاب أو الدول التي يسيطر فيها الاخوان، ووسائل إعلامهم المضللة للرأي العام، هي التي أحدثت ولا تزال تحدث الخراب والدمار ليس فقط في العقول بل توغلت وتغلغلت وضربت الجذور، أمن وصحة الشعب التونسي، حد انهيار النظام الصحي وتفشي الكوفيد وارتفاع عدد الوفيات، والغضب الشعبي، الذي تحول ضد الغنوشي، فأمطر موكبه بالحجارة، خلال توجهه إلى البرلمان للاعتصام هو وأنصاره.

ألا يذكركم هذا المشهد باعتصام رابعة وجامعة القاهرة، في مصر بعد ثورة يوليو 2013م؟!

أعلم أن تونس ستتخطى هذه الأزمة كما تخطت انتخاب رئيس من جماعة الاخوان، كما تمكن المصريون من الخروج من النفق المظلم الذي أدخلهم فيه الإخوان، لكن اندهاشي الحقيقي من هذا العماء المصاب به كثير من شعوبنا العربية، والتي لازالت تندفع وتدافع عن حق الاخوان في ممارسة حقهم السياسي، رغم ما ظهر من سوءاتهم، ورغم الدمار الذي ألحقوه ببعض الأوطان العربية، وسعيهم الدامي للوصول إلى سدة الحكم حتى على جثث الشعوب، كما شاهدنا في اعتصامات رابعة وجامعة القاهرة خلال انتفاضة المصريين، وهذا الذي فشل فيه الغنوشي رئيس البرلمان التونسي المنحل بقرار الرئيس، فقد عاد أدراجه بعد أن قوبل بالرفض والحجارة فلم يتمكن من الاعتصام، وقد فعل خيراً!

إذا كنا نذكر شعارات ديسمبر 2010م بعد حادثة البوعزيزي في تونس كانت: «الشعب يريد إسقاط النظام»، نجد أن النغمة الشعبية هذه المرة اختلفت، بعد أن شهدت المدن التونسية يوم الأحد الماضي الذي يصادف الاحتفال بالذكرى ال 64 لعيد الجمهورية، أي اليوم الوطني، مظاهرات واحتجاجات على تردي الأوضاع الاقتصادية في ظل الأزمة الوبائية التي تشهدها تونس، حيث طالب المتظاهرون بحل البرلمان وإسقاط الحكومة.

وأعود بذاكرتكم إلى مقالة كتبتها بعد ثورة يوليو المصرية وانتخابات تونس الرئاسية بعنوان: «تونس ومصر.. تسيُّد الوعي»، في الحالتين المصرية والتونسية، تمكن الشعب من إثبات قدرته على التخلص من الحكم الإخواني... الوعي نتاج ثقافة عميقة، تنمو في وعي المجتمعات كما تنمو البذور في التربة، وتتفتح كالبراعم في الوعي الجمعي، عندها يتمكن الشعب من تحديد مساره واختيار طريقه عن بصيرة!.