كتبتُ قبل فترة مقالاً بعنوان (هل الغَرْب بحاجة لتنوير؟) تساءلت فيه عن إمكانية أن نجد فيما خلَّفه الفلاسفة والمفكرون الغربيون من قيم ومبادئ فلسفية تنويرية ما يمكن أن يُسهم في تغيير الذهنية الغربية وتصحيح مفاهيمها وسياساتها الخارجية تجاه العالَم، وخاصة (العرب والمسلمِين)، وتساءلت عن حاجة الغَرْب لحركة فلسفية تنويرية أخرى يتبناها الفلاسفة الغربيون المعاصرون -ليستكملوا مسيرة أسلافهم- تعمل على نزع ثيمة الحروب والصراعات التي يصدِّرها الغرب ويمارسها خارج الحزام الغربي من منطلقات عقائدية أحيانًا. كتبتُ ذلك منطلِقًا من أن موقف الغَرْب من مبادئ التنوير يأخذ مسارَين متوازيين، الأول مسار الإيمان بقيم التنوير ومبادئه وتنزيلها كاملة على التراب الوطني الغربي وتكييفها -أحيانًا- بحسب المصلحة، والأخير مسار الانقلاب على تلك القيم والمبادئ وذلك خارج التراب الوطني الغربي -وخصوصًا على التراب الوطني للعالَمَين العربي والإسلامي- في ازدواجية مكشوفة لا يراها بعض المتعصبِين للتنوير الذين يظنون الغَرْب تمثَّل التنويرَ تمثلاً تامًّا دون تمييز وانحياز، في حين يشي الواقع بوجود ازدواجية (فاقعة) في تعاطي الغَرْب مع التنوير يراها كل ذي بصيرة ويغفل عنها أو يتعامى مَن رانت على بصره غشاوةُ الجزمِ بصفو تعامل الآخر مع التنوير مهما حمل ذلك التعامل من كدر وطين. تدخل على الخط نفسه العلمانيةُ بما تحمله من مبادئ يتمثلها الغَرْب تمثلاً كاملاً وذلك على ترابه الوطني ويجهد في تطبيقها، وأحيانًا يكيِّفها -على ترابه- بحسب ما تقتضيه مصالحه العليا، في المقابل حينما يبسط الغرب نفوذه (بأي شكل) على بلد عربي أو إسلامي نراه ينزع لتذويب تلك المبادئ بل والانقلاب عليها، وفق ما تقتضيه مصالحه.

في هذا الاتجاه يأتي عبدالله المتوكل ليترجم عام (٢٠٢٠م) كتاب (العلمانية المزيفة) لمؤلفه عالم الاجتماع الفرنسي (جون بوبيرو)، وبحسب الدار الناشرة للكتاب فإن الحافز الذي حرك بوبيرو لتأليف هذا الكتاب هو «أن ثمة علمانية جديدة أخذت تبرز وتتمدد في المجتمعات الأوروبية، يرفع لواءها التيار اليميني، وهذا النوع من العلمنة -حسب بوبيرو- علمانية مزيفة؛ لأنها نقلت المبدأ العلماني إلى المجال العام؛ أي: المجتمع؛ مما جعلها تَؤول إلى نوع من الاستبداد تجاه الأفراد والجماعات، حيث تتدخل في منع ذواتهم واعتقاداتهم وشعائرهم، بينما العلمانية في جوهرها هي مجرد حياد للسلطة السياسية، ومن مستلزمات هذا الحياد ألا تمنع التعبيرات الثقافية والدينية من التمظهر في الحياة العامة». بوبيرو هنا يتحدث عن علمانية مزيفة في الحياة الفرنسية تُمارَس اليوم تحت مسمى العلمانية ولا تتقاطع مع العلمانية في مفهومها الأصيل الذي قامت عليه. ولو سلَّمنا أن أي قانون يصيبه الوهن وتتساقط مبادئه وقيمه بتقادم عهده -ومن ذلك العلمانية- فما عذر القائمين على العلمانية حينما جعلوها مزيفة (وهي في أوج توهجها) وذلك فوق التراب الجزائري أثناء الاحتلال الفرنسي؟، ذلك أن الاحتلال الفرنسي -بحسب بوبيرو- أنشأ جمعيات وهمية لرعاية الإسلام ولكنها حرمت الإسلامَ «من التمتع بالحرية الممنوحة للديانات الأخرى، وفي هذه الفترة ظهر القول المأثور (يتم تقويل الإمام عكس ما يريد الإسلام)».

ويضيف بوبيرو إنه وبعد أن صوَّت أعضاء مؤتمر علماء الجزائر لقانون فصل الدين عن الدولة طالب الشيخُ محمدُ الإبراهيميُّ وزيرَ الداخليةِ (إدوارد ديبرو) بالتطبيق الفعلي للقانون، وقد عرض ديبرو الطلبَ أمام أنظار البرلمان الفرنسي إلا أن المستوطنِين استمروا في عرقلة القانون حتى اندلعت حرب الجزائر عام (١٩٥٤م)، «وبعد فوات الأوان حاولت فرنسا اتباع ما سمي بسياسة التمييز الإيجابي»، ليخرج بوبيرو بنتيجة مفادها أن فرنسا «لا تتردد إذا ما تعرضت مصالحها الحيوية إلى الخطر، عن الابتعاد عن مبدأ المواطن المجرد الذي يعتبر مقدسًا».

هذا (الاستعمارُ) المصلحيُّ مزدوجُ المبادئِ هو ما عناه بوبيرو بـ(الثقب الأسود) في العلمانية وجعله عنوانًا لأحد موضوعات كتابه. الحاصل أن العلمانية التي وإن فُعِّلتْ -هي وغيرها من النظريات والقوانين- في منبتها الغربي إلا أنها تُفقَد -قصدًا- قيمتها ويتم تفكيكها من قِبَل القائمِين بأمرها عندما تتخطى حدود منابتها؛ وذلك تطويعًا لمصالحهم العليا.