* الهجرة من بلد لآخر، ليست حديثة العهد، بل تمتد جذورها إلى عقود قديمة، وأسبابها متعددة، فمنها ما كان لطلب الرزق، ومنها ما كان لطلب العلم، إلى غير ذلك من أسباب الهجرة، هذا بالنسبة للهجرة خلال الأحقاب القديمة المألوفة عبر التاريخ.

أما في الأزمنة الأخيرة، والمعاصرة، فمنها ما كان لضغوط الحياة وظروفها، أو عدم استتباب الأمن في بعض الشعوب، وهكذا تتعدد أساب الهجرة من دولة لأخرى، والمصير واحد.

ومع تعدد الثورات في بعض الدول، وظلم وعنف بعض حكامها، وتضارب وتعدد الأنظمة والطوائف فيها، فقد نشطت الهجرة في الآونة الأخيرة بين صفوف مواطني تلك الدول تبعًا لذلك، فمنهم من مات غرقاً عبر البحار قبل الوصول إلى الوجهات التي حددوا الهجرة إليها، والبعض مات جوعًا في الأدغال والغابات التي حُجزوا فيها دون السماح لهم بالدخول إلى الدول التي رغبوا الهجرة إليها، ومنهم من ألقي القبض عليهم، وأعيدوا إلى ديارهم ليواجهوا مصيرهم المحتوم، وهو القتل والتعذيب المستمر، ومنهم من هاجروا لدول أخرى سمحت بهجرتهم إليها، وتعاطفت -إنسانيًا- مع أوضاعهم المأساوية.

قبل أيام استمعت لأحد اللقاءات التلفازية في إحدى القنوات الفضائية مع أحد المهاجرين السوريين القدامى في هولندا والبالغ عددهم أكثر من خمسة آلاف مهاجر، معظمهم يعيشون في هولندا منذ أزمنة قديمة بطرق قانونية، والبعض الآخر لجأوا إليها أخيرًا بطرق غير نظامية، وما زالت أوضاعهم غير مستقرة فيها، ولعل هولندا من الدول التي تعاطفت مع المهاجرين إليها في بدايات الهجرة، ليس من سوريا فحسب بل من دول عديدة أخرى، إلاّ أن بعض الأحزاب في هولندا ومع تزايد الهجرة إليها رغبت في الحد منها وترحيل الموجودين إلى ديارهم، إلاّ أن منظمة حقوق الإنسان، تعارض ذلك بحجة حصول بعض المهاجرين على رخصة قانونية تُخول لهم الإقامة المستمرة في تلك الدول والعيش فيها، لتعذر عودتهم إلى مواطنهم الأصلية، لعدم استتباب الأمن فيها وتهديد حكامها بالانتقام منهم في حالة العودة إليهم بحجة المعارضة والمطالبة بالحرية وتغيير أنظمة الحكم فيها.

وهكذا يظل المهاجرون العرب يعيشون بعيدًا عن أوطانهم في العديد من دول العالم، تتقاذفهم أمواج المآسي وسوء المصير، وضياع المستقبل، والتهديد بالترحيل، فأوطانهم الأساسية تعيش في ظلام دامس من الضياع واللا حكم تُسيرها دول أخرى فرشت على سماواتها الحماية المكثفة لكراسي المسؤولين فيها، بصرف النظر عمن شُرِد وهاجر وقُتل من أهلها بسبب عنف وتسلط وظلم ووعيد حكامها بالانتقام منهم إن هم عادوا إليها!

نعم.. هذا هو المصير المظلم للمهاجرين العرب عن ديارهم، إلى شتى بقاع العالم هربًا من أنظمة الحكم وسوء المصير والعيش فيها. * نبض الختام: أوضاع المهاجرين خارج أوطانهم، تشكل مأساة حياتية دامية قوامها البطالة، والجوع، والفقر، وفقد التعليم، والعيش الكريم، وربما كان ذلك سببًا في تحول بعض هؤلاء المهاجرين تحت وطأة هذه الظروف القاسية إلى مرتزقة وإرهابيين ومروجي مخدرات إلى غير ذلك من الجرائم الأخرى.

فهل لمنظمة حقوق الإنسان وغيرها من المنظمات الإنسانية الأخرى كهيئة الأمم المتحدة ومنظمات العفو من نظرة عادلة ومنصفة تعيد عشرات الآلاف بل الملايين من المهاجرين الذين شُردوا وطُردوا من ديارهم عنوة وظلمًا وعاشوا ويعيشون حياة تتسم بالبؤس والضياع والمعاناة والمصير الأسود بعيدًا عنها؟.

وهل لجامعة الدول العربية من دور إيجابي في هذا الجانب يسهم إسهامًا فاعلاً في حل قضايا هؤلاء المهاجرين العرب وتسهيل عودتهم إلى أوطانهم بدلاً من المرتزقة والإرهابيين الذين حلوا محلهم بتسهيل من تلك الدول الظالم حكامها؟.