Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

حيــــطان

A A
جلست في مكتب الطبيب بانتظار نتائج بعض الفحوصات وأمامي أحد الجدران الكئيبة شكلاً وموضوعاً.. وبصراحة خجلت أن أعلق على كآبة المنظر لعدة أسباب: أولاً إنني في عيادة فماذا أتوقع...وثانياً لأن معظم حوائط العالم كئيبة المنظر، ولكنها في غاية الأهمية فهي من أساسيات العمران، والجغرافيا الطبيعية والسياسية. وتاريخ العالم تشكَّل بتلك الجدران بطرق لا نتوقعها.. وعلى سبيل المثال فأكبر دول العالم سكانا هما الصين والهند، وبينهما أكبر حدود، وأقدمها في تاريخ النزاعات.. خلافات تعود لأكثر من ألفي عام على الحدود، والتنازع عليها مستمر ولم يهدأ.. ولكن هناك حيطان عجيبة بينهما جعلت الأمور هادئة ومستقرة نسبياً.. وكأنهما من الأصدقاء.. جبال الهملايا الجبارة بينهما منعت تصعيد الخلافات عبر التاريخ لدرجة أن الحروب بينهما قليلة .والصين بالذات من دول الحيطان منذ القدم.. لا يخفى على الجميع أن إحدى أهم الآثار التاريخية في العالم هي سور الصين العظيم الذي يفوق طوله العشرين ألف كيلومتر، أي ما يفوق المسافة من جدة إلى نيويورك.. ذهاباً وإياباً.. وكان بناؤه لأسباب عسكرية دفاعية لحجب الأخطار في شمال البلاد التي تفتقر إلى الموانع الجغرافية الطبيعية.. ولو انتقلنا إلى أوربا سنجد أن إحدى الدول التي تعرضت للهجوم ومحاولات الغزو المتعددة بالرغم من حجمها الهائل هي روسيا.. وأحد الأسباب الأساسية لذلك هي عدم وجود حيطان.. وتحديداً فلا توجد موانع طبيعية مثل سلسلة جبال الهمالايا بين شرق أوربا ودولة أوكرانيا وهي «دهليز» روسيا.. فضلاً انظر في تاريخ الغزو لروسيا من الغرب وتشمل المحاولات من السويد (1707)، والإمبراطورية العثمانية في حرب القرم (1571)، وفرنسا (جيش نابليون 1812)، وألمانيا (جيش هتلر 1941). ولو كان في غرب روسيا حيطان تعادل حتى ربع سلسلة جبال الهملايا لما عانت من كل ذلك. وأكيد أن جميع حكام روسيا عبر التاريخ كانوا يحلمون بأن تنتقل سلسلة جبال «الأورال» الروسية المنيعة من الثلث الغربي إلى أقصى غرب البلاد لتحمي حدودها الغربية مع الدول الأوربية وتغير تاريخ الغزو المتكرر لأراضيها. وبعض الجدران مخجلة في رسالتها ووظائفها ومن أهمها جدار مدينة برلين الألمانية التي انقسمت إلى قسمين يعكسان تقسيم ألمانيا بأكملها بعد الحرب العالمية الثانية.. شيدت قوات الاتحاد السوفيتي الجدار البالغ طوله 43 كيلومتراً في أغسطس 1961 لعزل ألمانيا الشرقية عن الغربية. وكان جداراً منيعاً، وعالياً، ومحمياً بالسلاح. وكان يسمى بجدار العار لأنه كان مبنياً لعزل البشر، فكان يعزل بين الأخ وأخيه من خلال إيجاد الحدود الوهمية بين شرق المدينة وغربها إلى أن تمت إزالته بالكامل عام 1989 في أيام تاريخية لن تنسى. وأهم جدران العار اليوم هي بدون شك تلك التي تم تشييدها لتخترق الأراضي الفلسطينية من قبل سلطات الاحتلال. طولها يفوق السبعمائة كيلومتر وتقسم أراضي فلسطين ومدنها بطرق لم نرها في تاريخ المدن.. ومنها حوالي 140 كيلومتراً في الجزء المحيط ببيت المقدس الشريف فيطعن في جمالها، وفي رسالتها الإنسانية العظيمة. ومن الغرائب أن إحدى أهم الجدار للبشرية هي بداخل القدس.. البعض يطلق عليها اسم «حائط المبكى» والبعض الآخر يطلق عليها اسم «الحائط الغربي» أو «الكوتل» بالعبرية. واسمه الصحيح هو «حائط البراق».

أمنيـــــة

عدد الدول في العالم هو 206 وأكثر من ستين منها بنت موانع بشكل أو آخر على حدودها، ونسبة كبيرة منها تم تشييدها خلال العشرين سنة الماضية.. يعني هناك «موضة» حيطان عالمية وبعضها مبررة لأسباب دفاعية. ولكن هناك الجدران التي كانت ضمن مكونات المدن التاريخية في كل مكان لحمايتها، وأصبحت اليوم أداة لقمعها كما نجد في القدس الشريف. أتمنى أن تزال جدران القمع والتفرقة في كل مكان بمشيئة الله، وهو من وراء القصد.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store