في الوقت الذي كانت فيهِ الكنيسةُ تحرِّمُ صناعَةَ الطبِّ؛ لأنَّ المرضَ عقابٌ من اللهِ لا يَنبغي للإنسانِ أنْ يصرفَهُ عمَّنْ يستحقُّهُ، وهو الاعتقاد الذي ظل سائداً في الغرب لغاية نهاية القرن الثاني عشر، كان الأطباءُ العربُ والمسلمونَ يسجِّلونَ الإنجازَ تِلْوَ الإنجازِ، ويقدِّمون للبشريةِ الدواءَ وراءَ الدواءِ، ويبتكرونَ الاختراعَ بعْدَ الاختراعِ.

فابنُ النَّفيسَ كشفَ للبشريةِ لأولِ مرةٍ عن الدَّورةِ الدَّمويةِ الصُّغرى.

وأبوبكرٍ الرازيُّ أولُ من اكتشفَ الحساسيةَ واستخدمَ المراهِمَ لعلاجِها، وأول من ابتكرَ خيوطَ الجراحةِ. وأبوالقاسمِ الزهراويُّ أولُ من قام بعمليات جراحية لإزالة حصوات المرارة، وقد ابتكر أكثر من مئتي أداة جراحية.

وابنُ سينا سبقَ في تشخيص الأمراض، واقتراحِ علاجاتها، وكانَ قانونه هو قانون الأطباءِ لسنوات طويلة.. حتى أنه لُقِبَ بأمير الأطباء، وكان أكثر الأطباء حجة في القرون الوسطي.

وأبوالقاسم الزهراوي الذي عدّهُ الغرب «أبو الجراحة الحديثة».. من أعظم مساهماته في الطب هو كتابه «التصريف لمن عجز عن التأليف»، الذي يعد موسوعة طبية من ثلاثينَ مجلداً.

وفوق ذلك سبقَت الحضارةُ الإسلاميةُ في بناء المستشفياتِ، ووضعِ شروطها مكاناً وبنياناً، وقد وصفَ ابنُ جُبيْرٍ في رحلتِهِ مستشفى بغدادَ الشهيرَ فقال: «وهو على دِجْلَةَ، وتتفقَّدُهُ الأطباءُ كُلَّ يومِ اثنين وخميس، ويُطالعون أحوالَ المرضى بِهِ، ويُرتِّبون لهم أَخْذَ ما يَحتاجونَ إِلَيْهِ، وبينَ أيديهم رجالٌ يَتناولون طَبْخَ الأَدْوِية والأَغْذِيَة، وهو قَصْرٌ كبيرٌ فيه المقاصيرُ والبيوتُ وجميعُ مرافقِ المساكنِ الملوكيَّةِ، والماُء يَدخُل إليه مِن دجلة».

فانظروا كم تركتْ حضارةُ الإسلام من أثرٍ في عالم الطبِّ.