Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

كرتونيـــــات

A A
كلما شاهدت أطفالاً يشاهدون أفلام الرسوم المتحركة الشهيرة بالكرتون، أصاب بحالة قلق بسبب مخاطرها. ومعظمها لا تخطر على البال لأنها تبدو وكأنها وديعة، وجميلة، ودمها خفيف.

نجحت عبر التاريخ في جذب قلوب وعقول الصغار من السنوات الأولى الحساسة في تشكيل وصقل شخصياتهم. بدأت تلك الأفلام قبل حوالي ثمانين سنة مع ظهور تقنية السينما، وتطورت بدخول البعد الصوتي والموسيقي في الأفلام.. ثم الأفلام الملونة.. ثم الشاشة الكبيرة.. ثم تقنيات الرسوم بالحواسيب.. وأكثر. ولكن أحد الأبعاد الباطنة في كل ذلك هي القصص والرسائل المخفية في تلك الأفلام. الريادة في ذلك المجال كانت ولا تزال عند شركة ديزني.

ويكفينا القول هنا أن إحدى الشخصيات الأكثر شهرة في تاريخ العالم الحديث هي «ميكي ماوس».. والعجيب هنا أن يتفوق هذا الفأر في شهرته على جميع العلماء، والأطباء، والرؤساء، والقيادات الاجتماعية، والعسكرية، والتعليمية عبر التاريخ.. فأر يا جماعة الخير .. وهناك المزيد، فالعديد من قصص أفلام الرسوم المتحركة مشتقة من حكايات تاريخية أغلبها أوربية، والعديد منها مشبع بالعناصر البعيدة عن متطلبات قصص الأطفال.. رعب، وقسوة، وعنف، وسحر وشعوذة، وغش وخداع، وتحايل، وشروط إعجازية في عقود إذعان، والمقصود هنا هو أن بعض من تلك القصص تحتوي على اتفاقيات بشروط تعجيزية ظالمة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر: حجب القدرة على الكلام، والحبس طويل الأمد بداخل أغرب الأماكن ومنها القماقم والمصابيح، والتحول من إنسان إلى حمار أعزكم الله، وغيرها من الشروط.

وتحتوي العديد من تلك القصص على سلوكيات عجيبة تشمل: التشجيع على رفض السلطة، وعدم الأخذ بكلام الوالدين، ومحاولة التهرب من العقود، وفرض الذات لكسب الحب.. وأخيراً وليس آخراً، الإيحاءات الجنسية. ومن العناصر المتكررة أيضاً في العديد من تلك الحكايات هي العنف الشديد ويشمل: السقوط من المرتفعات، والتعرض للنيران الهائلة، والمطاردات المنتهية بالدمار سواء كانت بين القط والفأر أو غيرهما.

ويضاف إلى ذلك أن من شبه المستحيلات أن تجد التسامح، أو قبول التراجع عن مواقف عدوانية.. ونجد العنف والانتقام والعقاب من أساسيات تلك القصص.. ولو سألنا كيف يعقل أن تتم كل هذه التجاوزات الأخلاقية في الأفلام الموجهة للأطفال.. فالإجابة تكمن في ذكاء العاملين في كتابة القصص، واقتباس الروايات التاريخية، وبراعة الإنتاج والإخراج، والتسويق.

ولو نظرنا كمثال في المسلسل الكرتوني الأكثر نجاحاً في تاريخ التلفزيون والذي بدأ من عام 1989 ويستمر بدون انقطاع إلى اليوم فسنجد مسلسل «سمبسونز» وهو عن العائلة الأمريكية المكونة من أب وأم وثلاثة أطفال. طاقم كتابة حلقات المسلسل يتكون من مجموعة منتقاة تشمل علماء رياضيات، وعلوم حاسبات، وهندسة من أرقي جامعات أمريكا ومنها جامعة هارفارد.

وهناك مجموعة هائلة من النظريات والمعادلات والمعضلات الرياضية في أجزاء المسلسل لدرجة أن هناك كتاباً نشر عنها. ومن الطرائف أن تنبؤات الحلقات مذهلة وتشمل التالي: تطبيع الاجتماعات عن بعد عبر الأثير عام 1995 والتي أصبحت عادية في زمن الكورونا... وظهور تطبيق «فايس تايم» في حلقة عام 1995 علماً بأنه ظهر في 2010... وفوز «ترامب» في انتخابات الرئاسة الأمريكية في حلقة عام 2000 علماً بأنه فاز في 2016 .. والحظر في زمن الكورونا قبل أوانه بحوالي عشر سنوات.

أمنيــــة

أتمنى أن نحرص كل الحرص على ما يشاهد أطفالنا في التلفاز، وأن لا نفترض حسن النوايا نظراً لأن الأفلام الكرتونية التي يشاهدونها جميلة بألوانها الزاهية، وموسيقاها الساحرة، وشخصياتها الظريفة. ولنا الحق وعلينا الواجب أن نقيّم الجوانب الأخلاقية، والدروس المستفادة، والرسائل المبطنة الموجهة لأهم الموارد البشرية وهي أطفالنا حفظهم الله، وهو من وراء القصد.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X