* كُنْتُ أقرأ وأسمع في صِغَري بأنها في جمالها وفِتْنَتِهَا (سويسرا الشَّرق)، أما عاصمتها فِبِدَلَالِهَا وأصالة ثقافتها وتنوع فنونها كانت (بَارِيْس العَرب)، يعشقونها، ويَحجُّون إليها سياحةً صيْفَ شِتَاءَ، تلك هي صورة «لبنان» التي حملتها مَعِي، وبحثتُ عنها وأنا أزورها للمرة الأولى!

* تَجَولتُ فيها باحثاً عن ذاك (الجمال والدَّلال) ولكن -وأَسَفَاه- كُنتُ أنشدُ السَّراب؛ فـ(لبنان) مَات جمالها، فليس هناك إلا الخراب، فصدقوني مِن ذاكرة زيارتي مُسِحَت تماماً مَعَالِم ومَلامِح (صخرة الرّوشَـة، ومغارة جِعِيْتَا، وتلفريك جُونية، وتمثال العذراء في حَرِيْصَا، وسهل البقاع، وآثار بَعْلَبَك)!

* فَمَازال يَسْكُنُنِي سَواد ملابس الكوادر العسكرية لـ(حِزب الله)، وصُور زعيمه (حسن نصر الله)، فهي لا تملأ حِيْطَان (بيروت، وصيدا وغيرهما مِن المُدن) فقط، ولكنها تحتكر المكان والزّمان، وتكتم أنفاس اللبنانيين بمختلف أطيافهم، مؤكدة بأنّ بلادهم غَدَت وأَمْسَت مستعمرة مِن (ملالي إيران)، يعبثون بوحدتها وأمنها واستقرارها، يتحكمون بقرارها السياسي، ليَفْرِضُوا عليها دائماً الفراغ الحكومي، وينشروا في أرجائها الفوضى، ومِن ثَمّ الإفلاس والفقر والجوع والمرض، ويُلْقُوا بها في غَيَاهِـب الدَّمار بمغامرات وعَنْتَرِيَّات (حزب الله) العدائية والطائفيّة التي لا تقتصر على الدّاخِل بل قفزت خارج الحدود لتصِل عسكرياً إلى (سوريا، واليمن)، وإلى محاولة المَسَاس بأمن (دول الخليج العربي) عن طريق المؤامرات والدَّسَائِس والمخدرات!

* وهنا إذا كان (اللبنانيون) يريدون الخروج مِن أزمتهم، عليهم بداية ونهاية أن يستعيدوا (وطنهم)، مِـن هَيْمَنة (حِزب الله، وأسياده في «طهران»، ومن تلك الشِّلّة الفاسدة التي كانت ولا تزال جاثمة على صدورهم منذ سنوات)؛ ثُمَّ عليهم أن يدركوا جيداً بأن المملكة العربية السعودية كانت وستبقى الداعِم الأول لهم؛ فجهودها من خلال (اتفاق الطائف) عام 1989م هي التي صنعت المصالحة التاريخية، التي أوقفت الحرب الأهلية التي كانت تفتك بهم، تلا ذلك مساندتها الكبيرة لحكومتهم الشرعية لِتَبْسط سيادتها على كامل التراب اللبناني، رَافَقَ ذلك وما زال تقديمها لمساعدات اقتصادية بـ(مليارات الدولارات) من أجل إغاثتهم وإعمار بلادهم؛ إذا فَعَلَهَـا اللبنانيون حينها فقط سيعود (لُبْنَانُهُم) «جَنَّة» كما وصفها أمير الشعراء أحمد شوقي:

لبنانُ والخُـْلدُ اختراع الله لم

يُوسَم بأَزْينَ مِنْهُمَا مَلَكُوْتُه

هو ذروةٌ في الحُسن غير مَرومة

وذَرَا البراعة والحجى بَيْرُوته

مَلِكُ الهِضَابِ الشُّمّ ِ سلطان الرُبَـى

هام السَّحَاب عُرُوشه وتُـخُوْتُه