Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

عبــــط

A A
من الأمثال الجميلة أن العبط في السياسة ليس عائقاً.. يعني من يبحث في أروقة السياسة وقصصها العجيبة سيجد العديد من الأمثلة على الغباء غير المتوقع.. والأغرب من الخيال أن يصدر بعضها من دول عظمى.. يعني دول ذات شأن كبير، وقوات مسلحة كبرى، وناس رايحين وجايين شغلهم الشاغل هو التجسس والتقارير.. دنيا مقلوبة.. ولكن من كل ذلك تصدر قرارات تجسد معنى صفة «العبط».

واخترت لكم التالي كأمثلة: عند قيام الحرب العالمية الأولى اقتصر القتال مبدئياً على الدول الأوربية وبالذات الإمبراطورية البريطانية، وفرنسا، والإمبراطورية الروسية من جانب، وألمانيا، واتحاد النمسا والمجر من جانب آخر إلى أن انضمت لهم الإمبراطورية العثمانية.

وكانت إحدى أهم أوجه الصراعات الخفية فيها هي دخول أمريكا للحرب.. ألمانيا كانت تحرص على عدم دخولها، وبريطانيا كانت ستقلب الدنيا لكي تدخل أمريكا الحرب.. والسبب باختصار كان القوة الأمريكية الهائلة في العتاد، والرجال، والمال.

جدير بالذكر أن قيادات الولايات المتحدة كانت ضد دخول الحرب، وبالذات رئيسها «ويلسون» الذي كان يعتز بعزلة بلادة عسكرياً وبُعدها عن «وجع الرأس».

وفي يناير 1917 أرسل وزير خارجية ألمانيا «زيمر مان» أشهر التلغرافات في تاريخ السياسة الخارجية إلى سفير بلاده في واشنطن العاصمة لتمريره إلى الرئيس المكسيكي «كارانزا».

وجاء في التلغراف المشفّر تشفيراً محكماً أن حكومة ألمانيا كانت تود أن تفتح أبواب المساعدة للحكومة المكسيكية بالاشتراك مع القوات اليابانية المرابطة في المكسيك للحرب ضد أمريكا لاستعادة الأراضي المتنازع عليها بين المكسيك وأمريكا وهي: جنوب ولاية «تكساس»، وولاية «نيو مكسيكو»، وجنوب ولاية «كاليفورنيا».

اعترض التلغراف جهاز الاستخبارات البريطاني التابع للبحرية وتم نقله بحرفية إلى الرئيس الأمريكي شخصياً فتغيرت السياسة الأمريكية تغييراً سريعاً وجذرياً على المستوى الشعبي والقيادات. وتعسكرت أمريكا بكبرها فدخلت الحرب ضد ألمانيا وحلفائها وتسببت في هزيمتهم في فترة سبعة عشر شهراً .

عبط وزير خارجية ألمانيا تسبب في هزيمة بلاده وكان الأفضل أن يسكت ساكت. ومثال خلطة العبط السياسي الثاني هو العدوان الثلاثي على مصر الشقيقة في أكتوبر 1956.. تسبب تأميم قناة السويس من القيادة المصرية في جنون بريطانيا وفرنسا فكانوا ينظرون للقناة أنها ملكية فرنسية بريطانية بالرغم أنها تقع في أراضي مصر، وأن السواعد المصرية والعربية ومنها السعودية هي التي حفرتها.

وكانت هناك مخاوف على تأمين الإمدادات الأوربية بالطاقة من خلال القناة التي كانت مجراها الرئيس.. وكانت الحكومة الفرنسية في حالة كره شديد للحكومة المصرية بسبب دعمها للمقاومة الجزائرية الباسلة ضد الاحتلال الفرنسي فجاء قرار عين العبط وهو عملية الفارس «مسكتير» وهي مسرحية مفادها التالي: تقوم القوات الإسرائيلية بالتوغل لاحتلال صحراء سيناء والاتجاه نحو قناة السويس وتشتبك مع القوات المصرية.

وهنا تتدخل قوات بريطانيا، وفرنسا لفك النزاع «يعني يعني»، فتحتل الأراضي المصرية على طول قناة السويس لتهدئة الأمور بين مصر والكيان الصهيوني، وتأمين حركة الملاحة.. دراما كلها بكش في بكش لكي تبدو الأطراف المعتدية وكأنها حريصة على مصلحة السلم العالمي وتأمين الطاقة. انكشفت اللعبة عندما أدرك المجتمع الدولي أبعاد المهزلة، وتدخلت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي فتم تهديد دول العدوان الثلاثي بضرورة الانسحاب، وكان النصر بمشيئة الله للعرب.

أمنيـــــــــــة

أنهي المقال بذكر ظاهرة علمية موثقة وهي أن العديد من الأغبياء يعتقدون أنهم أذكياء. وحسب ما جاء في دراسة العالمين «داننج وكروجر» عام 1999 أن هذه الظاهرة منتشرة عالمياً على مستوى الأفراد. يا ترى ما الذي ينطبخ ضد الدول العربية والإسلامية اليوم.. أتمنى أن يقينا الله شرور المؤامرات، والعبط السياسي والعسكري، وهو من وراء القصد.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store
X