حينما نوجه البوصلة جنوبًا بامتداد قمم سلسلة جبال السروات ابتداءً من محافظة الطائف شمالاً مرورًا بمنطقة الباحة وانتهاءً بأقصى جنوبي منطقة عسير فسنضع أيدينا على مقومات سياحية رائعة يتآزر التاريخ والطبيعة والإنسان في صناعتها، سواءً في القرى الأثرية أو المواقع التاريخية أو التشكيلات الطبيعية أو المتنزهات البديعة أو المناخ المعتدل، وكل هذه المقومات هي ما يبحث عنه السائح -صيفًا- في السروات، ويبحث عنه -شتاءً- في تهامة على الامتداد نفسه.

وحيث إننا في نهايات فترة الصيف فإن مدار الكلام سيكون عن مصايفنا في منطقتَي (عسير والباحة)؛ حيث تمكنتُ -خلال هذه الإجازة- من زيارة الكثير من متنزهاتهما البارزة، فمنطقة عسير تتميز بتعدد متنزهاتها الطبيعية وتنوعها، وبمدنها الترفيهية وحدائقها ومواقعها التاريخية، وعلى هذا توجهتُ -منتصف الأسبوع الماضي- وأسرتي لأبها، وفي عصر اليوم الذي وصلنا فيه بدأنا الجولة -كالمعتاد- من متنزه الضباب الذي يتميز (بألعابه ومأكولاته وإطلالته على عقبة ضلع..) فكانت لافتةُ (مغلق) هي أول ما باشرَنا عند بوابة المتنزه.

غيَّرنا اتجاهنا صوب قرية المفتاحة وشارع الفن، وبعد وصولنا لم نجد في شارع الفن ما كنا نعهده؛ فلم نجد المظلات ذات الألوان الزاهية التي كانت تظلله، ولم نجد باقات الورود والزهور (الطبيعية) التي كانت تكلله، ووجدنا فيه حواجز وشبوكًا حديدية تقسمه طولاً إلى نصفين وتتداخل أحيانًا بطريقة عرضية، ووجدنا مكان الورود الطبيعية ورودًا (صناعية) بائسة، ووجدنا كمًّا وافرًا من الأكشاك مقفلة ومغطاة بالبلاستيك. تحولنا إلى قرية المفتاحة المجاورة وكلنا أمل أن نجد فيها ما عهدناه عنها -بوصفها مركزًا ثقافيًّا متكاملاً- كمعرض الكتاب والفنون التشكيلية والمراسم الحرة والمتاحف والحرف اليدوية، لنواجَه بسيارة ضخمة وقد سدت مدخل القرية، تسللنا من خلفها لنجد الشبوك قد أحكمت (إغلاق) القرية، مددنا أعناقنا وأرهفنا أسماعنا فلم نسمع سوى صفير الريح في جنبات القرية.

وفي ضحى اليوم الثاني توجهنا إلى متنزه المسقي وقد عزمنا على البقاء فيه ساعات أطول، وفي مدخل المتنزه برزت لنا لافتةُ (مغلق)، لنرتد على أعقابنا إلى متنزه الفرعاء (القرعاء) لنجد حديقة مسوَّرة -نسيت اسمها- تتربع على مساحة كبيرة ولكنها أيضًا (مغلقة) فتنحينا إلى ظل شجرة قُرب مطل الفرعاء.

وفي العصر عزمنا على الذهاب لحديقة السلام، وقبل الذهاب استفتينا (قوقل ماب) فأفتانا بأنها (مغلقة)، فتوجهنا إلى حديقة الأندلس.

وفي ضحى اليوم الثاني عادت بنا الذاكرة للجبل الأخضر -الذي بُدلت ألوان كشافاته من اللون الأخضر إلى اللون الأصفر الكئيب- حيث عَهْدنا بالإطلالة الجميلة منه على أبها، والحركة والحياة والوجبات، فلما وصلنا أسفل الجبل وجدنا على بوابته لافتة مكتوباً عليها (مغلق).

وبعد العصر ذهبنا لأبها الجديدة وفي أذهاننا جلساتها المطلة على بحيرة السد وألعابها فلم نجد إلا الأبواب (المغلقة) والأطلال التي لو تكلمت لقالت (ذات يوم كانت هنا حياة).

أما منطقة الباحة التي تتميز بكثرة غاباتها ومواقعها التاريخية وقراها الأثرية فقد ذهبنا إليها قبل نصف شهر لنجد حديقة رغدان وقد غصت بالمصطافين، فذهبنا لمتنزه القَيْم لنجد لافتة مكتوباً عليها (مغلق مؤقتًا)، وأردنا الذهاب للمتنزه الذي يقع جنوب ميدان الشهداء على الحافة الجنوبية للعقبة فتذكرنا أنه (مغلق) منذ ربع قرن، وليس بعيدًا عنه منتزه القِمْع (المغلق) جنوبي بلجرشي، فاتجهنا إلى متنزه خَيرة.

عندما أعدد هذه المتنزهات والأماكن المغلقة فلا يعني أنه لا يوجد غيرها في خدمة المصطافين، فهناك العديد من المتنزهات والأماكن الرائعة في عسير والباحة؛ ولكن السؤال هو عن سبب إغلاقها مع أنها ذات أهمية سياحية بالغة، وكانت تشهد إقبالاً كبيرًا من المصطافين والزوار. لماذا تُغلق في هذه الفترة الذهبية (فترة الصيف) خصوصًا والإقبال من المصطافين على المتنزهات الداخلية (كبير جدًّا) بسبب جائحة كورونا؟

وهل سبب الإغلاق لأنها استنفدت أغراضها؟ أم لإشكاليات تنظيمية وإدارية؟ أم لأن قيام الجديد من المتنزهات والحدائق والمدن الترفيهية يتطلب إقصاء القديم؟ وهل يتناسب الإغلاق مع رؤية (٢٠٣٠) التي جعلت صناعة السياحة في صميم أهدافها؟.