هلَّ العام الهجري 1443، ودخلنا في شهر محرَّم الحرام؛ الشهر الأولَّ من السنة القمريَّة أو التقويم الهجري.. والأوَّل من الأشهر الأربعة الحُرُم؛ (ذو القعدة وذو الحجَّة ومحرَّم ورجب) التي حُرِّمَ فيها القتال منذ عهد النبي إبراهيم عليه السلام.. كان هذا التحريم نافذًا حتَّى زمن الجاهليَّة.. تضع الحرب أوزارها، ولا يُقاتل أحدٌ أحدًا.. وقد أولاها الإسلام حرمة أيضًا، وطبَّقها امتثالًا لما جاء في القرآن الكريم من حرمة بدء قتال الأعداء فيها، إلا إذا نقضوا حرمة هذه الأشهر، وبدأوا بالقتال.. ولعلَّ حرمتها لتهيئة النفوس للحجِّ وإتمام مناسكه في مكَّة المكرَّمة التي كانت وما تزال أشرف أماكن العبادة عند المؤمنين.. كان محرَّم اسمه في الجاهليَّة (مؤتمر) أو (المؤتمر)، وقد كان رجب الشهر المحرَّم فيه القتال.. وصفة التحريم اشتَّقت لكونه شهرًا محرَّمًا لأنَّه أحد الأشهر الحرم الأربعة.. وقد قال الله فيها: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾. فالإسلام الذي أكرمنا الله باتباعه دين تسامح ومحبَّة، وعقيدة قويَّة تضم جميع الفضائل الاجتماعيَّة والمحاسن الإنسانيَّة.. والسلام مبدأ من المبادئ التي عمَّق الإسلام جذورها في نفوس المسلمين، وأصبحت جزءًا من كيانهم، وهو الغاية في الأرض.

الإسلام والسلام يجتمعان في إيجاد السكينة والطمأنينة.. ولا غرابة في أنَّ كلمة الاسلام تجمع حروف السلم والسلام نفسها.. فيعكس ذلك تناسب المبدأ والمنهج والحكم والموضوع.. وقد جعل الله السلام تحيَّة المسلم، فلا ينبغي أن يكلّم المسلم آخر قبل البدء بالسلام، تيمُّنًا بقول رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم: «السلام قبل الكلام».. سبب ذلك أنَّ السلام أمان، ولا كلام إلَّا بعد أمان، وهو اسم من أسماء الله الحسنى، وممَّا لا شك فيه أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم بُعِثَ سلامًا ورحمةً للبشريَّة؛ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين﴾، ولإنقاذها وإخراجها من الظلمات إلى النور حتَّى يصل الناس جميعًا إلى أعلى مراتب الأخلاق الإنسانيَّة في تعاملاتهم في الحياة.

ومع وضوح العقيدة ونقائها، إلا أن إيران مازالت تمارس عدائها للمسلمين السُنة عن طريق (حرسهم الثوري)، والميليشيات التي أغدقوا على قياداتها المال لنشر الفوضى والإرهاب في بلدان العالم كافَّة تحت راية الإسلام، والإسلام بريء ممَّا يِأثمون، ثمَّ يجاهرون بمعاداتهم أهل السنَّة والجماعة.. ويحفزون على التصادم والصراع المسلَّح فيما بينهم..

فهم بذلك يحقِّقون للصهيونيَّة العالميَّة حلمها بتمزيق بساط التعايش الإسلامي متعدِّد الألوان بتعدُّد الأمم والشعوب الإسلاميَّة.. وكم ستكون جميلة وقفة محبِّي السلام من شعوب العالم كافَّة بشجاعة وحزم لوضع نهاية لعبث العابثين ومثيري القلق والاضطراب منهم؛ في شهر محرِّم الحرام خاصَّة.. شهر السلم والأمن والأمان، وكلَّ شهر لو تفقَّهوا في كتاب الله والتزموا بأوامره ونواهيه.. (وما الله بغافلٍ عمَّا يفعل الظالمون)، وهو الهادي إلى سواء السبيل.