إن سيدنا سليمان نبي الله أتاه الله ملكًا ما ينبغي أن يكون لأحد من قبله ولا من بعده كما ذكر القرآن الكريم ذلك، ومن أبرز ما كان من ملكه تسخير الله له كل شيء بما في ذلك من يملكون العلم الأدني (علم الكتاب) ويعلمون حقائقه وقد اتضح ذلك من خلال قصة سليمان مع الهدهد وملكة سبأ في اليمن، فعندما طلب سيدنا سليمان ممن حوله أن يأتوا بها وبعرشها كان هناك عرضان أحدهما من الجن، وهو أن له قدرة أن يأتي بعرشها في فترة زمنية بما تعادل قبل أن تقوم من مقامك (جزء من الدقيقة) كما قال تعالى (قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ)، وهذا العرض لم يكن مغريًا كثيرًا لسيدنا سليمان حتى جاءه العرض الثاني وهو من عند من عنده علم من الكتاب وهو القدرة على أن يأتي بالعرش قبل ارتداد الطرف (ثواني الجزء من الثانية) كما قال تعالى (قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) ولا شك أن هناك فرقًا كبيرًا من حيث الزمن بين العرضين، وقد يصل بالمليارات بقياس وحدة «زيبتو ثانية» (تساوي واحدًا على تريليون مليار من الثانية قياسًا على وقت هروب الإلكترون من ذرته) مع العلم أن المسافة محددة ما بين فلسطين واليمن فبالتالي يمكن تحديد السرعة إذا علم كل من المسافة والزمن ولك أن تتخيل السرعة كم تكون؟

المهم نعود للذي عنده علم وكما نقل المفسرون ومنهم الشيخ السعدي أن الذي عنده علم من الكتاب هو أحد الصالحين من علماء سليمان الذي كان عنده سر اسم الله الأعظم الذي إن دعي به أجاب وإن سئل به أعطي واسمه آصف بن برخيا، والبعض يذهب الى أن الآية فيها إشارة إلى أن العلم science الذي قد يفتح الله به على الناس -كل الناس- مسلمهم أو كافرهم هو التحدي للكشف عن أسرار الكون والطبيعة والحياة عبر قوانين وأنظمة يتوصل إليها العقل البشري والتضافر بين بني البشر من ألمانيا وأمريكا وأوروبا واليابان والصين وكوريا والعرب والعجم والأبيض منهم والأسود والسيد والمسود، كلهم من يستطيع أن يعمل عقله فيظهر قدراته للكشف عن مكنونات الله فيما خلق يكون ممن أمكنه الله من علمه لأن ما في الكون كله من علم الله كما قال تعالى (أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ) وقوله (وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلً) وامكانيات القدرة الكونية عبر مخلوق -قد يكون ملك من الملائكة- أو قدرة كونية تسخيرية مثل الرياح أو الجن أو إنسان عبر اكتشاف علم مثل اكتشاف الطائرات، كلها تقع تحت علم الله الذي علمه هذا المخلوق وبعضها ما يصعب قبوله في زمن من الأزمان ثم هو في زمن آخر يكون أمرًا اعتياديًا مثل الإسراء بالرسول صلى الله عليه وسلم كان وقتها يصعب قبول أن في ليلة واحدة يذهب إلى القدس ويعود في نفس الليلة، لكن الآن في عصر الطيران واكتشاف الإنسان أصبح أمرًا مقررًا ومقبولاً، وهكذا كثير من الأمور الكونية التي يكتشفها الإنسان ويتوصل إليها من خلال العلم تعد من علم كتاب الله المنظور والمتأمل به والذي يظهر قدرة الله وكم أنه أودع في الكون والطبيعة والحياة أسرارًا وقوانين وأنظمة طالبًا إياه -أي الإنسان- أن يستثمر قدرته العقلية في الكشف عنها وعن كل جديد.