كثيرة هي المصنفات التي تناولت هموم النهضة العربية وعِلَل التخلف العربي، لكن الأمر اللافت للنظر في تلك المصنفات أنها تكاد تتطابق في طرح العِلل؛ فأضحتْ نُسخًا مكررة من بعضها يُدفع بها يوميًّا للمكتبة العربية. من أظهر العِلل التي تكاد تتفق عليها تلك المصنفات هي ارتهان الحكومات والشعوب العربية للتراث الديني، وهذه العلة التي يُدندَن عليها ما هي إلا أوهام يلجأ إليها كل من أراد أن يناقش التخلف العربي فيكرر الموال نفسه ربما عن جهل وربما خوفًا من الخروج عن القطيع، ولذا فنحن اليوم بحاجةٍ ماسةٍ للرأي الصادق الموضوعي، بحاجة للاعتراف بأن هناك عللاً أطمَّ لا يشكل التراث الديني إلا جزءًا يسيرًا منها.

المطَّلع على تلك المصنفات يظن للوهلة الأولى أن الحكومات والشعوب العربية تُصبح وتمسي وهي مرتهنة كليًّا لذلك التراث، يظنها عطلت مصالحها فلم تعد تبرح أماكن عباداتها وتنسُّكها، يظنها لا تتجاوب -إطلاقًا- مع العصر ومنتجاته وتقنياته، يظنها لا تزال تأوي إلى الكهوف وترمي بالسهام وتشرب في الأقداح وتأكل في القصاع وتركب البغال والحمير وتُرسل الحمام الزاجل وتتعلم في الكتاتيب وتتطبب عند الكُهّان، يظنها تُمانع استخدام الجوال والطائرة والحاسب الآلي وتلبس الجلود وتنتعل الخصف، يظنها تنابذ كل ما جاد به العصر وتغلق الأبواب بينها وبين العالم ومنتجات العصر، حتى يظن أن التراث الديني هو المهيمن على كل شيء بما في ذلك تنفس الهواء. غير أنه حين يفتح عينيه على الشارع العربي يجد شعوبًا عربية لم تعد تستمسك من تراثها الديني إلا بأسماء عربية وشعائر دينية في حدها الأدنى، شعوبًا عربية غارقة في تفاصيل العصر ومنتجاته، شعوبًا عربية تتطلع لمشاريع نهضوية (حقيقية) ذات انعكاسات إيجابية نافعة ترقى بالأوطان العربية علميًّا ومعرفيًّا وتقنيًّا وحضاريًّا.

على هذا يأتي أولئك المنظِّرون ليؤكدوا أن السبيل الأوحد للنهضة العربية هو أن نكرر إرهاصات عصر النهضة الأوروبية فتتم مصادرة التراث الديني ومنابذة السلطات الحاكمة لنصل للنهضة، ولذا ينبثق هذا السؤال: في فترة ازدهار النهضة العربية الإسلامية هل كان مفكرو أوروبا -المتخلفة وقتَها- يطالِبون بأن تسلك أوروبا مسلك العرب والمسلمين؛ فتصحح عقيدتها وتحطم الأصنام وتنابذ الشرك وتنشر الخير -كما فعل العرب والمسلمون- لتصل إلى ما وصلوا إليه؟ إطلاقًا لم يقولوا بذلك، بل كانوا يبعثون طلابهم لأخذ فرائد العلوم والمعارف العربية والإسلامية والانطلاق منها لبناء نهضة أوروبا. دونكم (أوساهيرا) الياباني الذي عاد من أوروبا بسر النهضة الأوروبية؛ حينما فكك المحرك وأعاد تركيبه ثم صنَّعه فنقل اليابان إلى ما هي عليه اليوم، ولم يعد من أوروبا -كحال بعض المبتعثِين العرب- لاعنًا التراث البوذي.

علة العرب يا سادة ليست في تراثهم الديني الذي لم يعد يشكل شيئًا في معترك الحياة خصوصًا وقد تم إخضاعه للمنهج التاريخي وحوصر -سياسيًّا ومجتمعيًّا- في معظم البلدان العربية، وها هي دول عربية تعلمنت وأقصت التراث الديني ولم تتعرف بَعد على طريق النهضة.

علة العرب في عدم وجود الأرضية المناسبة، وهذه الأرضية لا علة للتراث الديني في عدميتها؛ وإن كان له من علة ففي أمور هامشية لا تتحقق بها النهضة المنشودة، لكنه لم ولن يقف ضد ما ينهض بالأوطان كالصناعات (الدوائية والإلكترونية والحربية..) ووسائل المواصلات والاتصالات وركائز القوة والمنعة بل يشجعها، علة العرب في بعض زعاماته التي شُغلت بمواقعها على حساب نهضة شعوبها، علة العرب في مَن يدَّعي الشفقة عليهم حينما لم يصدق معهم في طرحه لعِلل التخلف، علة العرب -في أحد جوانبها- عند (هاشم صالح) تكمن في أن «معظم موارد العرب التي كان يمكن أن تُكرس للتنمية والتنوير والنهضة مكرسة لشراء الأسلحة والانخراط في صراع جهنمي فُرض علينا فرضًا»، علة العرب في بعض التقاليد والأعراف الاجتماعية الضاغطة.

الغَرْب يا سادة أسس لحضارته الحالية (من الداخل) وفق ظروفه الحاصلة ولم يطارد الأوهام؛ أي أن حضارته قامت بحلول ذاتية داخلية (علمية، عملية، سياسية، فلسفية..)، فلماذا لا تقوم أسباب حضارة العَرَب من الداخل -مع الاستفادة من (علوم) الآخرين- بدلاً من مطاردة الأوهام التي سكبنا لها أنهار الأحبار وبسطنا لها ملايين الصفحات؟ لنجرِّبْ أن نكون -هذه المرة- موضوعيين في طرح أسباب التخلف علَّنا نهتدي لطريق النهضة الغائبة.