* (الوطن يقوم على كَاهِـل ثلاثة: فَلَّاحٌ يُغذّيْه، وجُنْديٌ يَحْمِيْه، ومُعَلِمٌ يُرَبِّيْه) هذا ما قالَه الشاعر والحكيم والفيلسوف العربي الكبير جُبران خليل جُبران، مؤَكِّدًا بذلك أنهم الأركان الرئيسة التي تمنح البَشَر مصادر حَيَاتهم، فالفلاح يُمِدّهُم بِغِذاء مَعِيْشَتِهِم، والجندي يَفديهم بروحه لِيُحَقِّـق لهم أَمَانهم، أما المُعَلِّم فهو مَن يتكفل بصناعة الأجيال التي تزرع حضارتهم.

* لكن واقعنا العَربِي يُؤَكِّد (غَلْطَان جدًا يَا جُبْرَان) ففي معظم دُولِه الرؤيةُ مختلفةٌ تمامًا؛ فقد غُيِّبَ أو مَات أولئك، ومعهم مختلف الأطياف المجتمعية؛ فلا اهتمام أبدًا إلا بـ(المُغَنِّين والمُغَنِّيَات، والمُمَثّلين والممثلات، ومعهم لاعِبِو كُرة القَدم)؛ فَجُلُّ أولئك يحظون بالرعاية والعناية فسكنهم في فِيلات، وكمباوندات فاخرة، وسفرهم في طائرات خاصة، وعلاجهم وتأهيلهم في كُبريات مستشفيات الخارج، وعلى حِساب بعض الحكومات، وهم قبل ذلك يقبضون الملايين، وعليهم وعلى أعمالهم تُصْرَف المليارات سنويًا؛ مع أنّ ما يُقَدِّمونه لا يَعدو كَوْنَهُ تَرْفِيهًا (غِنَاء، وتَمْثِيلاً، وتَبَادُلاً لذلك اللَّسْتَك المنفوخ)؛ يحدث ذلك في مجتمعات أغلب أفرادها يعيشون تحت خطّ الفقر، ويبحثون في ليلهم ونهارهم -فقط- عن لُقمَةٍ تُبْقِيهم أحياء!

* الشريحة الأكبر مِن شعوب بَنِي يَعرُب تُعَانِي اليوم، ومن أهمَّ أسباب ذلك: تلك المعادلة المغلوطة التي تُريدُ مِـن المَطحُونين الخمول والسُّبَات لمتابعة المسلسلات والأفلام والمباريات، والغِنَاء والرَّقْص طَربًا، فيما هُم يَتَضَوّرَون جوعاً وَيَئنونَ مرضًا وجهلاً، تلك المعادلة الغريبة والمَطِيّة السِّيَاسِـيّة التي تُهدر المليارات على الهَامِش، بينما حقها أن تكون في مشروعات استثمارية وتنمويَّة تمنح الغذاء والدواء والتعليم والأمان للفقراء.

* صَدقوني تَصحيح المَسَار يبدأ بالأخذ بنصيحة (جُبْرَان) بحيثُ تحضرُ الأَوْلوِيَّات في إنفاق الميزانيات، وتكون صَدارة المَشهد العربي لـ(الفَلَّاح، والجُندي، والمُعَلِّم، والطبيب، والمهندس، والعَالِم، وكُلّ مَن لوطنه ومجتمعه يُقَدِّمُ العطاء والتَضحِيَات، مع التقدير طبعًا وجِدًَّا لـ(جميع المُغَنِّين والمُغَنِّيَات، والمُمَثّلين والممثلات، ومُطَارِدي الكُرَات)، فالحَديث هنا عَن المِهَن، بعيدًا عن الشّخْصِيّات التي لها كُلّ الاحترام.