أكثر مكان يعيش فيه الطفل بعد منزله هو المدرسة، وفي المدرسة تتشكل شخصيته وتنصهر ذاته مع ذوات الآخرين من الأطفال ويصبح عنده صحبة وأصدقاء عندما يغيبون عنه يحن إليهم ويشتاق للقائهم ويتمنى رؤيتهم، وتبقى في تلافيف ذاكرته بعد تخرجهم أعمالهم وصداقتهم ومحبتهم وشقاوتهم وقصص كثيرة معهم.

في المرحلة الابتدائية تبدأ الزمالة وتتحول الى صداقة في المرحلة المتوسطة وتتعمق الأصرة في المرحلة الثانوية، وكنا قبل أن تحل كورونا إذا جاءت الاجازة السنوية الطويلة في الصيف تحن النفوس لبعضها عن بعد لتعوّض غياب الجسد فالجسد له لغته التي يتفاهم بها مع غيره من الأجساد الأخرى، فالعين تتكلم والقلب يتفاهم والأذن تترجم واليد تخاطب والوجه يعبّر، وهكذا كما تشتاق النفوس تتباكى الأجساد عند التباعد ولذلك فان الدراسة عن بعد التي كانت في أيام كورونا مع النجاح في جوانبها التعليمية إلا أن لها آثار نفسية سلبية ولعل أحد أكبر آثارها السلبية هو ما يحل في النفوس من اشتياق بلا لقاء، وما يحل في القلوب من حنين بلا بقاء، حيث تتعطل لغة الجسد ويقتل الشوق وينعدم التلاقي فتحل الانعزالية محل المبادرات الاجتماعية، فالمدرسة حضن تربوي وفناء المدرسة ساحة الروح واللعب والمرح وتمارين الصباح وطابور الصباح ونشيد الصباح واذاعة الصباح كلها تنشيط للعقل والجسم، وشمس الصباح في بداية اليوم الدراسي تغازل خيوط أشعتها رموش العين في الجباه وخلايا القلب في الصدور لتمنح دفئًا يتشكل منه فيتامين «د» ليملأ النفوس عافية والأجساد صحة ويعدل المزاجية فتنتشي البهجة وترتسم على الوجوه علامات السرور.

والمعلم الذي يطل ببهجته على الفصل ليأخذ عهدته التي أمنه الله عليها وليكون رائدًا للفصل يعرف عن قرب صغاره وكلهم عهدة في رقبته، يحن عليهم، يشجع الموهوب، ويهب التشجيع لغير الموهوب، ويقوي ضعيفهم بمزيد من العناية، ويصبح هو مرجعهم طيلة يومهم، وكل معلم يحل عليهم في الفصل يشرح لهم مادته وجهًا لوجه ينسكب من ملامحه أضواء لغة جسده فيكون التقارب والقربى والحب والعطف، وهكذا فان المدرسة عندما يقترب موعد العودة اليها تكون فرحة وكنت شخصيًا وغيري من أبناء جيلي ننتظر العودة للمدرسة اشتياقًا لأصحابنا وزملائنا، فالمدرسة فرحة.. وصدقوني ان هذا الشعور فطري يدب في التلافيف من النفس والحنايا من الروح وما من ابن او ابنة بعد سنوات دخول المدرسة لا يرغب العودة مرة أخرى للحضور اليها إلا أن هناك سبب تربوي في المدرسة أو المدرس أو سبب آخر وهو السهر وبالتالي صعوبة أن يستيقظ الصغير الذي أهمل أهله ترتيب وتنظيم وقت نومه وتركوه هملا للسهر يمزق خلاياه العصبية.

ان المدرسة مرسى تحط عليه نفوس الطلاب والطالبات أمتعتهم الداخلية ويتعلمون فيه توجيهات الحياة من قدوات لا تقل مرتبتهم عن الآباء والأمهات هم المعلمون والمعلمات الذين يكاد الواحد فيهم أن يكون رسولا لما في ذمتهم من أداء الأمانة والمسؤولية أمام الله وعلى يدهم تكون صناعة الأجيال فهل يعي كل معلم ومعلمة ما كلفهم الله بهم من مسؤولية؟