Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
طارق علي فدعق

نـــــذالة

A A
أحاول تجنب سيرة النذالة بسبب معاناتي من شرورها، ولكن في بعض الأحيان لابد من التأمل في غرائبها.. وأحاول أيضًا عدم التطفل على الخصوصيات ولكن بعض حالات الزواج تبلور مفهوم النذالة في أقوى أدواره وإليكم إحدى الأمثلة المذهلة: كان العريس ضعيفًا جدًا نسبة إلى عروسه، ووقع في شباكها بسهولة، فبدأت بأكل رأسه.. وخلال الدقائق الأولى من علاقتهما أكملت أكل الرأس وباقي الجسم بأكمله فلم يبق منه شيئًا.. ومما يضيف إلى هذا الرعب أن فارق الحجم بينهما كان هائلا.. وللمقارنة فلو تخيلنا أن هذا العنكبوت كان بحجم رجل، فستكون عروسه تقريبًا بحجم «لاند كروزر».. أكلته وبحثت عن العريس التالي.. نذالة عناكب.. ومن الصعب أن نجد التعليق المناسب لوصفها. وهناك المزيد من قصص هذه الممارسات الخبيثة ففي عالم البطريق الوديع تلجأ مجموعاته الكبيرة إلى تغيير مواقعها من جبل جليدي إلى جبل آخر بسبب تغير الطقس.. وهذه الطيور لا تطير، ولكنها تسبح، ولذا فالحل يكون في السباحة من الجبل المنكمش إلى جبل آخر أكثر ثباتًا وأكبر حجمًا.. والتحدي هنا هو أن مياه البحر الباردة العميقة بين تلك الجبال تخبئ العديد من المخاطر وأهمها الحيوانات التي تعشق التهام البطاريق ومنها الحيتان وعجول البحر.. ولذا فلا يتطوع أي من الطيور إلى النزول إلى الماء تفاديًا للمخاطر.. ولكنهم يبادرون في الدف المتواصل بينهم إلى أن يسقط أحد «الغلابة» منهم على الأطراف في الماء.. وهنا تتوقف الدفدفة ويراقبون النتيجة.. لو ظهر ضحية حركة النذالة سالمًا على سطح الماء، فمعنى ذلك أن المياه آمنة، فيبدأ الجميع بالقفز الجماعي في الماء للانتقال إلى الجبل الجديد.. ولو لم يظهر سالمًا على سطح الماء فمعنى ذلك أنه قد تعرض «للمرمشة» وقد تكون آخر ذكرى في حياته هي «من دفني»ّ.

وفي عالم الطيور أيضًا نجد أن بناء العشش من الأنشطة الصعبة المكلفة، ولذا فتلجأ بعض منهن بوضع بيضهن في عش طيور أخرى تفاديًا لوجع رأس بناء العش، وحماية البيض.. يعني مبدأ «بلا عش.. بلا بيض.. بل وجع رأس».. والعجيب هنا أن النذالة وراثية فصغار الأنذال يتخلصون من بيض صاحبة العش فور التفقيس فيقذفون به إلى الخارج.. نظام مستعمرات يعني. ولكن هناك ما هو أهم من كل هذا وأعظم شأنًا وهو نذالة البشر.. أتذكر أيام الشباب عندما كنت أدرس في الخارج أنني دعيت إلى مشاهدة أوبرا «توسكا» للمؤلف الإيطالي الشهير «بوتشيني»، وكانت قصتها عبارة عن كمية نذالة مركزة.. في كل مشهد «رشة» غدر وأذية بأشكالها وألوانها المختلفة: النظامية، والقانونية، والإنسانية.. كل يخدع الآخر من بداية الدراما إلى آخر ثانية.. واليوم نشهد ممارسات النذالة على الساحة السياسية العالمية.. يقولون أن في عالم السياسة لا توجد صداقات بل مصالح.. وفي هذا المبدأ تجاوزات إنسانية كثيرة، ومنها السماح بممارسة النذالة في أقوى أدوارها مثل ما وصفت في الأوبرا المذكورة أعلاه.. وتتجلى تلك التجاوزات من جانب الأطراف التي لا تعترف بحقوق الإنسان في الصراعات المختلفة من إخواننا في فلسطين، وسوريا، وليبيا وغيرها.. ونجد أيضًا ظاهرة «مؤامرة الصمت» حيث تسكت مؤسسات المجتمع الدولي المختلفة عن التجاوزات الإنسانية، والأسوأ من ذلك هو أن بعض من الجهات والأفراد يمارسون «السمسرة» على عقود المعونات للضعفاء.

أمنيــــة

للأسف أن في الكثير من الأحيان، يكون مردود ممارسات النذالة مجديًا وإلا لما مارسته الكائنات المختلفة.. أتمنى أن يقينا الله شرورها، وبالذات أنها أصبحت واسعة الانتشار.. ولا نستغرب قصصها العجيبة وبالذات عند البشر، بل وحتى عند بعض الحكومات.. والقادم أغرب فعسكرة الفضاء تعني احتمال ممارسات النذالة الفضائية أيضا.. وستكون ضمن المقالات القادمة إن شاء الله.


Nabd
App Store Play Store Huawei Store