يسارع الكثيرون لإقامة العبادات الحركية التي فرضها الله تعالى علينا كالصلاة والصيام والزكاة والحج، وهذا أمر محمود عسى الله أن يتقبله منا جميعاً، لكن الكثير منهم يجهلون أو يتجاهلون المتطلبات الجوهرية الروحية التي فرضت هذه العبادات من أجلها، وكأنهم بذلك اهتموا بالشكل ونسوا أو تجاهلوا الجوهر الروحي الذي فُرضت من أجله كل تلك العبادات والتي تعد بدونه لا روح لها ولا فائدة وتصبح مجرد حركات تزيد البعد عن الله.

فعلى سبيل المثال لا الحصر في مدارسنا وعلى منابرنا علمونا أن الصلوات هي خمس ومعها السنن الرواتب في اليوم وأن كل صلاة لها وقت محدد ولا بد أن تكون في المساجد وحفّظونا عن ظهر قلب أركانها وواجباتها وسننها لكنهم لم يعلّمونا بوظيفتها التي فُرضت من أجلها وهي التواصل الروحي مع الله بالذكر المستدام والبعد عن الفحشاء والمنكر والالتزام بكل ما أمر به الله والابتعاد عما نهى عنه والالتزام بممارسة القيم والسلوكيات الفاضلة كالخوف من الله والتبتل إليه والابتعاد عن القذف والغيبة والنميمة والبهتان والسب والشتم والصدق في القول والوفاء بالوعد ونظافة الجوارح والسريرة معاً وتأدية العمل الموكل إليك بصدق وإخلاص وإعطاء كل ذي حق حقه والمحافظة على المال العام وعدم التعدي عليه وبر الوالدين وصلة الرحم وعدم الغش والمغالاة في التجارة.

وهكذا علّمونا أن الصيام في شهر رمضان أو الأيام البيض وعاشوراء ويوم عرفة والإثنين والخميس له نفس المتطلبات الروحية ايضاً فإذا لم تتحقق فلن ينال الصائم من صومه إلا الجوع والعطش والخسران، فالصيام لم يُفرض فقط للامتناع عن الطعام والشراب ومعاشرة النساء بل هو لتحقيق تلك المتطلبات كترويض النفس وكبح شهواتها المحرمة والشعور بألم الفقير ومعاناته وتعلُّم الصبر على صروف الدهر وتقديم العون للفقراء والمساكين والشعور بنعم الله التي لا تُعد والا تُحصى وحمد الله عليها.

وهكذا الزكاة التي تؤخذ من أموال الأغنياء وتدفع للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل.

فالأموال المقتطعة للزكاة ليست مجرد أموال تقتطع قسراً ليتحقق رضا الله تعالى لكن لها متطلبات موازية لدفعها كتطهير النفس من الكبر والتعالي وتطهير المال والشعور بألم وفاقة المحتاج والحث على التكافل والترابط الاجتماعي الذي أمر الله به المؤمنين وحمدُ الله وشكره على ذلك المال الذي رزقه الله تعالى للعبد.

وهكذا الحج ليس مجرد إقامة شعائر حركية كالطواف بالبيت العتيق والوقوف بعرفة ثم مزدلفة ثم منى بل له متطلبات روحية يجد فيها المؤمن فرصة تجلٍّ روحاني لتطهير النفس من كل القيم والسلوكيات غير الفاضلة ومحاسبتها على ما اقترفته من ذنوب والتعهد بعدم العودة برضا وقناعة، ففي ذلك فرصة عظيمة عندما يجد نفسه في تلك الأماكن المقدسة لا فرق بينه وبين غيره في اللبس والمكان وليس كما يفعل البعض عندما يرمي الشيطان من على كوبري الجمرات ثم تراه تحت الكوبري يكذب وينافق ويسرق ويشتم وينصب ويغتاب ويبهت ويخلف الوعد، فكيف به بعد أن يعود إلى ممارسة الحياة اليومية.

فهل سيعاد النظر في صياغة مناهج مدارسنا الشرعية؟، وهل سيعاد النظر في تراثنا الشرعي؟. نتمنى ذلك . والله من وراء القصد.