أواصل الحديث عن النمو في سن المراهقة وعلاقته بالمنهج المدرسي؛ إذ يترتب على النمو الانفعالي في المراهقة نشاط فردي وجماعي للتلاميذ المراهقين في المدرسة وفي خارجها، فيجب أن يصبح مجالاً يتعرف فيه المدرس على انفعالات كل تلميذ منهم ليوجهه توجيهاً يناسبه ويجعله يسير نحو النضج الانفعالي، فيستغل المدرس في ذلك مناقشات التلاميذ، وأحاديثهم الحرة، وتعامل بعضهم مع بعض، ومع المدرسين ومع الكبار في البيئة المحلية، ويستعين المدرس أيضاً بالاتصال بالأسر، وبالرجوع إلى بطاقات التلاميذ المدرسية المجمعة، وبفهمه تأثير المجتمع الذي يعيش فيه التلميذ.

ولكي تخف وطأة الانفعالات الشديدة العنيفة ويكون المدرس رقيقاً مع تلاميذه، مرناً في مواجهة انفعالاتهم، ويوجه المدرس كل تلميذ في رفق ومودة توجيهاً يدربه على التريُّث، وعلى ضبط الانفعالات، كما يجعله يشغل أوقات فراغه في هواياته ونشاطه الجماعي المتنوع في جو من الصداقة والود مع زملائه، ويستغل المدرس كل مناسبة ليساعد التلميذ على تنمية الثقة في نفسه، وعلى فهم الظروف المحيطة به، وليدربه على وضع الخطط وجمع الأدلة الكافية الصحيحة قبل إصدار الأحكام، فكل هذا يساعد على الاتزان الانفعالي، ولكن لا يعني هذا ألَّا نُعلم التلاميذ كيف يغضبون للرذائل، وكيف يتحمسون لعملهم، ومتى وكيف يعطفون.

وعلى المنهج المدرسي أن يتيح فرصًا في جميع المواد الدراسية تشجع التلاميذ المراهقين على التحدث بما يشعرون به من مشكلات، وتتخذ هذه المشكلات محوراً لجمع المعلومات والقيام بألوان من النشاط، بحيث يساعد كل هذا على تخلص المراهق ممَّا يقلقه أو يشككه، أو ممَّا يوجد لديه من صراع نفسي، كما يجعله يتعلم السلوك المناسب للمجتمع الذي يوجد فيه، وتكون التربية الدينية المبنية على الفهم والاقتناع وسيلة هامة من وسائل الاطمئنان النفسي.

وعلى المنهج المدرسي مراعاة حساسية المراهق للنقد، فتصبح أوجه نشاط التلاميذ مجالاً لتدريبهم على النقد الذاتي، وعلى استخدام نتائج هذا النقد كأساس من أسس التحسين، ويشترك كل تلميذ مع جماعته في نقد ما يقومون به من نشاط نقداً يرمي إلى التحسين كذلك.

وحين ينتقد المدرسون أي عمل من أعمال أي تلميذ فإنَّ نقدهم يكون موجهاً إلى العمل نفسه لا إلى من قام به.

ويتخير المدرسون في ذلك من الألفاظ ما لا يجرح شعور التلميذ ولا يحرجه بين زملائه، ويكون النقد في صورة يتخللها التشجيع، ويلاحظ المدرسون أن تتكون لدى التلميذ تدريجيًا قدرة على تقبل النقد البنَّاء بصدر رحب مع قدرة على قيامه بالنقد السليم بقدر المستطاع.

كما توجد علاقة بين النمو الاجتماعي والنمو الانفعالي عند المراهق أيضاً، فشدة الانفعالات وعنفها يجعل المراهق، في حالات كثيرة ثائراً متقلباً غير متعاون مع غيره، كما أنَّ الحساسية للنقد قد تجعل المراهق منطويًا على نفسه يبتعد عن الناس، ومن ناحية أخرى نجد أنَّ المراهق الذي يسلك سلوكاً غير اجتماعي يصبح قلقًا، خائفًا، لأنَّه في حاجة إلى الشعور بالاطمئنان والشعور بمحبة الناس.

كما أن المراهق يُعنى كثيرًا بمعرفة المهن التي يمكن أن يلتحق بها، ويرى أنَّ اختيار المهنة أمر يخصه هو، ويجب أن يتمشى مع ميله هو.

ويزيد تقبل المراهق لعادات الكبار اليومية واتجاهاتهم، ويعمل على ممارسة هذه العادات والاتجاهات.

كما يبني المراهق سلوكه على قيم خلقية سامية، أو مُثل عليا منشودة، ولكن بعد فترة من الزمن يتبين أنَّ جزءًا كبيرًا من هذه المثالية التي يراعيها غير محقق تمامًا في واقع الحياة، وعندئذ قد يتشكك في هذه المثالية، أو يشعر بشيء من الإحباط، وينطوي على نفسه، أو قد يصبح شخصًا لا يكترث بما في المجتمع من قيم وتقاليد.

والدين أمر هام بالنسبة للمراهق لأنَّ التعاليم الدينية تساعده على تنظيم قيمه، وتحديد طرق تعامله مع غيره، وتحديد سلوكه الاجتماعي بوجه عام، ويجد المراهق في الدين ما يشعره بالأمن ويساعده على التغلب على كثير من مشكلاته اليومية مع الناس. وكثيرًا ما يتحمس المراهق للتعبد كي يتغلب على ما يشعر به من قلق نفسي فيسرف في هذا إسرافًا كبيرًا، ويقلل من اتصالاته الاجتماعية.

وفي أواخر المراهقة في الغالب، يبدأ المراهق في الاتزان الاجتماعي، فيقل تمرُّده أو عصيانه، ويتزن في حديثه وسلوكه بوجه عام.

وبناءً على ما سبق ينبغي أن يراعي المنهج المدرسي هذه المتغيرات المترتبة على النمو فتكون هناك علاقة بينها وبين المنهج، فالعلاقة بين النمو الاجتماعي والنمو الانفعالي تتطلب أن يُعنى المنهج المدرسي بأن يكون نشاط التلاميذ في المدرسة، وفي خارجها مجالًا لتوجيههم في تعاملهم مع بعض، وفي تعاملهم مع غيرهم بحيث تصبح علاقاتهم الاجتماعية متزنة، وفي جو من المودة والإخاء والتعاون، والفهم، والثقة بأنفسهم، وغير ذلك من النواحي التي تساعد على الاتزان الانفعالي.