لا أدري لماذا أعود بالذاكرة للجدات والعمات والخالات «خضرة هلالة»، و»أم محمد الأشمونية»، و»سرية العمروسية»، و»مبروكة السنية»، و»آمنة نصارة»، و»فاطمة رضوانة»، كلما جاء الحديث في مصر عن هدى شعراوي، ونبوية موسى، وسهير القلماوي، ومفيدة عبد الرحمن، وأمينة السعيد وفاطمة رشدي وغيرهن!. ومع الاحترام التام لتاريخ الحركة النسائية المصرية، والسيرة الذاتية لكل من قدمت شيئاً في الحياة السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية، فإن الفرق بين المرأة القاهرية أو السكندرية، كما ورد في الكتب وبين المرأة القروية، أن الهم الأساسي للفريق الأول كان هو السعي لانتزاع الحقوق من الرجل، أو المساواة بالرجل، أو نحو ذلك من شعارات، فيما كان الشغل الشاغل للقرويات المصريات هو تكملة ما بناه أو زرعه أو صنعه أو أنتجه الرجل.. أباً أو زوجاً أو أخاً! ربما كان ذلك هو السبب في تلك التسميات المثيرة التي نشأنا عليها صغاراً، وتمسكنا بها كباراً! حيث تسمى المرأة باسم زوجها أو والدها في دلالة على الإصرار وتكملة المشوار. وعلى سبيل المثال لا الحصر فإن العمة «خضرة هلالة»، كانت شقيقة لعمين عملاقين هما «علي وحسن» ومع ذلك مضت العمة تمارس مهامها في ضبط ايقاع العائلة اجتماعياً واقتصادياً، حتى أنها كانت المشرفة على ميزانية دار الهلالية، أكبر دور القرية في ذلك الوقت، شأنها في ذلك، شأن العمة «آمنة نصارة»، والتي أورثت حكمتها وجديتها لزوجة أخيها الخالة «فاطمة نصارة».. تربية، وفلاحة، وكدحاً، ومهارة!، أما العمة «أم محمد الأشمونية»، فقد أخذت اسمها من اسم زوجها «ابراهيم الأشموني» وليس من اسم والدها، ومضت تزرع وتنتج وتشرف على كل شيء في دار الشمانية الثرية، في ذلك الوقت، شأنها في ذلك، شأن العمة «سرية العمروسية» التي أخذت اسمها من اسم زوجها ومضت تزرع وتربي وتملأ الدار خيراً وبركة. وكانت العمة «مبروكة السنية»، قد خرجت فور وفاة زوجها «بدوي السني» تاركاً لها طفلاً لم يتجاوز العامين من عمره، لتقود «ماكينة الدراوة» بنفسها.. تنتقل بها من حقل لآخر، ومن جرن الى الثاني، دون أن يشعر طفلها طيلة سنيه الأولى، وطيلة دراسته وتخرجه بفقدان الأب!.

والحق أن العمة مبروكة رغم مشقة التنقل بالماكينة الخشبية الضخمة والمخصصة لفصل حب القمح عن القش، كانت أماً لأطفال الحي، وأختاً لرجال القرية، الذين يحترمون فيها إخلاصها في عملها، ودقتها في مواعيدها، قبل أن يساعدها زوج ابنتها رحمهما الله. أما الخالة «أم محمد عبيدة»، فكانت تدير ماكينة أخرى لخض اللبن، حيث يتقاطر عليها نسوة وفتيات القرية في مشهد صباحي وآخر مسائي مفعمين بالخير الوفير.. وظلت المعلمة «فاطمة رضوانة» واقفة كالكافورة، تعشق اللون الأخضر.. وتمشي تزرع بنفسها ولا تتعثر، تزداد الأرض خضباً وتكبر، فيما يصبح ثمار الشجر أغزر، وأوراقه أجمل وأنضر.. وكانت الخالة «أمينة رسلانة»، تداري يدها المتيبسة المتعبة، وتخرج تملأ الجرار للجارات وتوزع الماء، على البيوت! وربما كانت المعلمة «سيدة زغلولة» أكثر حظاً، وهي تتسيد الدار، مرافقة لزوجها الفنان عازف المزمار، فلما مات، لحقنا بها وهي تدير كل المناسبات والمهرجانات، وتوزع المهام على الرجال، وسط دهشة الصغار!.

لقد مر على الفلاحة المصرية، سنوات عجاف، دون أن تشتكي، ماضية لتكملة دور الآباء والأزواج والأشقاء بنفس الجدية والحماس.. إخلاص حد الشغاف، وتمسك بالرغيف والعيش الشريف.. مشاركة فاعلة للرجال، ومع ذلك لم يصبحن يوماً هدفاً للقيل والقال.. يقبلن بكل المهمات، دون أن تكون واحدة منهن موضوعاً للإشاعات أو الوشايات. أعرف العشرات من هذه النماذج المشرفة في قرية مصرية واحدة، وأعتذر لضيق المساحة عن سرد حكاية وحكايات العمات، عز ريحانة، وأم محمد سليمة، وزينب النجارة، وغيرهن. المثير والجميل أن هاتيك الجدات والعمات والخالات، صنعن رجالاً بحق، وتركن بنات هن الآن أمهات يواصلن المسيرة.. مسيرة المرأة المصرية العاملة والمربية في نفس الوقت.. منهن من أكملن دراستهن العليا والجامعية، ومنهن من اكتفت بالثانوية أو الإعدادية أو حتى الابتدائية.. فإن دخلت بيوتهن وتعرفت على أولادهن وبناتهن، الضباط والمحامين والمهندسين والمعلمين والمحاسبين والأطباء، والعمال والفلاحين، والصغار الموهوبين المبدعين الواعدين، أدركت سر خصوبة مصر في كل عصر!.