في أقرب نقطة أرضية سعودية إلى السماء (السُّوْدَة) نظمت وزارة الثقافة ممثلة في هيئة الأدب والترجمة والنشر (ملتقى الأدباء)؛ بهدف (تبادل الآراء والخبرات حول مستقبل القطاع الأدبي وتطلعاته بالمملكة). وبقدر ما طُرح في الملتقى من أوراق وحوارات أخذت طابع الإثارة والسخونة، كانت هناك إثارة مماثلة خارج قاعة الملتقى خصوصًا على شبكات التواصل الاجتماعي من قِبل المعنيين بالشأن الأدبي، ومن ذلك استغراب الأدباء حالةَ السرية التي أحاطت بها الهيئة ملتقاها الأدبي سواء في عدم الإعلان المبكر عنه أو في عدم إظهار محاوره، وهو الأمر الذي لم يعتد عليه الأدباء من مؤسستهم الثقافية، ومما أثار استغرابهم أيضًا محدودية الدعوات الموجهة للأدباء (مشاركةً وحضورًا)، ولعل للهيئة عذرها بسبب الاحترازات الصحية كما بيَّنتْ. ومع محدودية الدعوات -المبرَّرة- إلا أن السؤال الذي قفز لأذهان الأدباء هو عن معايير الدعوات؛ حيث تساءلوا: هل لاتزال وزارة الثقافة ترتهن إلى تصريح متحدثها السابق -عندما كانت قرينة لوزارة الإعلام- حينما ذكر في تبريره للتباين في دعوات الوزارة -وقتَها- أن «الحرص كان منصبًّا على دعوة الكبار»؟ ومفردة (الكبار) هذه أخذت عدة تأويلات، فمن قائل إن المقصود بها الكبار سنًّا وقيل الكبار قَدْرًا وقيل الكبار نتاجاً أدبياً. وكان من الأسئلة القافزة لأذهان الأدباء هو أن الملتقى خُصص (للأدباء) كما يشير عنوانه البارز، فهل كان المدعوون جميعهم ممن يشتغل بالأدب، أم زاحمهم غيرهم على نافذتهم الوحيدة؟ مع أن هناك نوافذ (هيئات) ثقافية لها ملتقياتها كهيئات (المسرح والتراث والفنون والموسيقى...) وكلها تندرج تحت المفهوم الشامل للثقافة وترعاها الوزارة ويدخل تحتها المثقفون كل بحسب اهتماماته.

ختام الأسئلة كان عن أحقية أدباء المنطقة المنعقد فيها الملتقى بالدعوة؛ فهناك من يرى أن الدعوة كان ينبغي أن تشمل أكثرهم. ومهما يكن فإثارة الأسئلة والنقاشات حول الملتقى تُعد حالة صحية بدلاً من حالة التسليم والجمود. عليه، وفي مسألة الدعوات فإن المأمول من الهيئة أن تعمد لسن معايير واضحة تُبنى على المفهوم الذي تشي به مفردة (أديب) إبداعًا وتأليفًا ومشاركات فاعلة في المشهد الأدبي، مع مراعاة كمِّ الدعوات السابقة الموجهة لكل أديب، وقضية دعوة الأدباء هذه تعيدنا لقضية (حصر) الأدباء الذي قامت به مشكورة قبل فترة دارة الملك عبدالعزيز وسمته (قاموس الأدب والأدباء..) لكن سقطت من القاموس أسماء عديدة عندما لم يقم القائمون على القاموس باستقصاء الأدباء وفق معايير دقيقة وضابطة؛ حيث أوكلوا ذلك لمناديب في كل منطقة يحصرون الأدباء وسموهم (الباحث الآخر) مع ما يعتري ذلك من (ذاتية) وغيرها، وقد كتبتُ في مجلة اليمامة عن هذا الأمر تحت عنوان (قاموس الأدباء والارتهان للباحث الآخر)، وعقَّب عليه في المجلة نفسها -مؤيدًا- المؤرخ محمد القشعمي، ثم عقب -بالتأييد- أيضًا في هذه الصحيفة الكاتب علي بن خضران القرني، ومع أن اسميهما موجودان في القاموس إلا أنهما انحازا للمهمشِين. بقي القول إن هناك أمورًا جلَّاها ملتقى الأدباء ومنها: إنعاش الوزارة الأدبَ والتفاتها إليه؛ فبعد أن كان هامشًا في اهتمام المؤسسة الثقافية أصبح متنًا، وقد كتبت مسبقًا عن مسألة تهميشه مقالاً بعنوان (تهميش الأدب)، ومنها زوال حالة التعتيم والتكتم حول الأندية الأدبية حينما رُبط مصيرها باجتيازها مطالب الموارد البشرية، وفي رأيي فإن الأدب مهما بلغ شأنه (فلن يؤكِّل عيشًا)، ومنها ضرورة (الصحافة الثقافية) في الصحف الورقية لهذا الملتقى الأدبي وأمثاله وأهميتها، ولا أتكلم هنا عن مجرد نقل أخبار الملتقى فهذا يستطيعه الكل؛ المقصود هو التغطية الاحترافية لفعاليات الملتقى من قِبَل الصحفي الثقافي المشتغل بالأدب والثقافة؛ حيث افتقدنا في هذا الملتقى للإثارة الصحفية، وللحوارات الجانبية وللسبق الصحفي ولما يدور في كواليس الملتقى.

لهذا وغيره تظل الصحافة الثقافية (بمحرريها الماهرِين) روحًا تبعث الحياة في أوصال الثقافة وملتقياتها، وجسرًا يربط وزارة الثقافة وأنشطتها بالمثقف والجمهور عمومًا. ولذا فلعل وزارة الثقافة تلتفت لهذا الأمر (البالغ الأهمية) بالتعاون مع وزارة الإعلام والصحف، ولعل الصحف تُعنى أكثر بهذا الأمر الذي يعني زيادة مقروئيتها وزيادة الإقبال عليها.